بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عليكُم ورَحمةُ الله تعالى وبركاتهُ وفَضلهُ ومَغفِرتهُ
إخوتي في الله؛
لَو أبصَر المرء عُيوب نفسه؛
لانشغل بها عَن عُيوبِ النّاس ؛
لأنّ المرء مُطالب بإصلاح نفسه أوّلاً،
وسيسألُ عنها قَبل غيرها،
وقد قالَ الله تًعالى :
(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، (المُدّثر:38).
وقالَ عزّ مِن قائلٍ:
(مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ،
وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا،
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ،
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)،
(الإسراء:15).
وقال سُبحانه :
(وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا،
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)،
(الأنعام: من الآية164).
ها هُنا،
- بمنّهِ؛ جلّ وعَلا -
أثيــرِ؛ مَقالٌ؛
ومؤثّـرُ مِـدادٍ؛
وتُرجُمانُ؛ حالٍ!
عَسى الرّحمنُ؛ أن ينفعَ بهِ.
/
\
/
لا تَنشَغِلْ؛ بِ عُيوبِ النّاسِ!
/
\
/
قال الشّاعر:
المرءُ إن كانَ عاقلاً ورعاً أشغله عَن عُيوبِ غيره ورعهُ
كَما العليل السّقيم أشغله عَن وَجع النّاس كلّهم وجعهُ
وإذا كان العبد بهذه الصفة ـ مشغولاً بنفسه عن غيره ـ
ارتاحت له النّفوس ، وكان مَ ـحْبوباً من النّاس ، وجزاه الله تعالى بجنس عمله ،
فيستره ويكف ألسنة الناس عنه ، أمّا من كان مُتتبّعاً عُيوب النّاس مُتحدّثا بها مُشنّعاً عليهم؛
فإنّه لن يسلم من بغضهم وأذاهم ، ويكون جزاؤه من جنس عمَله أيضاً ؛
فإن ّمن تتبّع عورات النّاس تتبّع الله عَورته ،
ومن تتبع الله عورته يفضحَه ولو في بيته.
يقول الشّاعر:
لا تكشفن مَساوي النّاس ما ستروا ... فيهتك الله ستراً عن مساويكا
واذكر مَحاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحداً منهم بما فيكا
وقد يكون انشغال العبد بعيوب الناس والتحدث بها بمَثابة ورقة التوتِ؛
التي يُحاول أن يغطي بها عيوبه وسوءاته ، فقد سمع أعرابيّ رجلاً يقع في الناس،
فقال: " قد استدللت على عُيوبك بكثرة ذكرك لعُيوب الناس؛
لأنّ الطّالب لها يَطلبها بقدر ما فيه منها".
يقول الشّيخ مُحمّد بن إسماعيل المُقدّم حفظه الله تعالى:
[والشّخص الذي يرى صورة نفسه صغيرة جداً تجده دائماً يضخم عيوب الآخرين،
ولذا تبرز شخصية الإنسان من خلال نصيبه من هذه القضية،
فإذا عُرف بأنه مشغول بتضخيم عُيوب الآخرين والطعن في الناس،
فهذه مرآة تعكس أنه يشعر بضآلة نفسه و( بحقارتها ) وأن حجم نفسه صغير؛
لأنه يعتقد أنه لن ينفتح إلا على أنقاض الآخرين، فدائماً يحاول أن يحطم الآخرين،
ولذا يكثر نقد الناس وذكر عيوبهم، وهذه مرآة تعكس أنّ إحساسه وثقته بنفسه ضعيفة،
وأنه في داخل نفسه يحسّ أنّه صغير و( حقيرٌ )، فلذلك يشتغل بعيوب الآخرين.
يقول عون بن عبد الله رحمه الله:
لا أحسب الرّجل ينظر في عُيوب النّاس إلاّ من غَفلة قد غفلها عن نفسه.
وعن مُحمّد بن سيرين رحمه الله تعالى قال:
كنا نحدّث أن أكثر النّاس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس.
وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: كفى بالمرء إثماً ألا يكون صالحاً،
ثم يجلس في المجالس ويقع في عرض الصّالحين.
وقال ابو عاصم النبيل: لا يذكر النّاس فيما يَكرهون إلاّ ( سفلة ) لا دين لهم].
وقال بَكر بن عَبدالله: "
إذا رأيتُم الرّجل موكّلا بعُيوب النّاس، ناسيًا لعُيوبه ـ فاعلَموا أنه قد مُكِرَ به".
والإنسان ـ لنقصه ـ يتوصل إلى عيب أخيه مع خفائه،
وينسى عيب نفسه مع ظهوره ظهوراً مُستحكماً لا خفاء به.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يبُصر أحدكمُ القذى في عين أخيه، وينسى الجِذْعَ في عينه".
قبيحٌ من الإنسان أن ينسى عيوبه ... ويذكر عيباً في أخيه قد اختفى
ولو كان ذا عقل لما عاب غيره ... وفيه عُيوب لو رآها قد اكتفى
إنّ الانشغال بعُيوب النّاس يجُرّ العبد إلى الغيبة ولابدّ،
وقد عرفنا ما في الغيبة من إثم ومساوىء يتنزّه عنها المُسلم الصّادق النّبيل.
كما أن الانشغال بعيوب الناس يؤدي إلى شُيوع العداوة والبغضاء بين أبناء المجتمع ،
فحين يتكلم المرء في الناس فإنهم سيتكلمون فيه ، وربّما تكلموا فيه بالباطل
إذا أنت عبت الناس عابوا وأكثروا عليك، وأبدوا منك ما كان يُسترُ
وإذا رجعت إلى السّلف الصّالح رضي الله عنهم لوجدت منهم في هذا الباب عجباً؛
إذ كانوا مَشغولين بعُيوب أنفسهم عن عُيوب غيرهم ،
بل ينظرون إلى أنفسهم نظرة كلّها تواضع مع رفعتهم وعلو شأنهم رضي الله عنهم ،
بل كانوا يخافون إن تكلّموا في النّاس بما فيهم؛ أن يُبتلوا بما ابتلي به النّاس من هذه العُيوب؛
كما قال الأعمش: سمعت إبراهيم يقول:
" إنيّ لأرى الشيء أكرهه، فما يمنعني أن أتكلّم فيه إلاّ مَخافة أن أُبتلى بمثله".
وبالإضافة إلى هذا كانوا يوقنون ويعملون بحديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم؛
الذي يقول فيه: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
وقد لقي زاهد زاهداً فقال له: يا أخي! إني لأحبك في الله، فقال الآخر:
لو علمتَ مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله، فقال له الأول:
لو علمتُ منك ما تعلم من نفسك لكان لي فيما أعلم من نفسي شغل عن بغضك.
فيا أيها الأخ لك في نفسك شغل عن عُيوب غيرك ؛ ففيك أضعاف أضعاف ما تراه في الآخرين ،
فلا تفتح على نفسك باب الغيبة وسوء الظن ،
وهتك أستار الناس بالانشغال بعيوبهم ،
ولا تفتح على نفسك باب شر لا يسدّ بالكلام عن النّاس فيتكلّموا عنك:
متى تلتمس للناس عيبا تجد لهم عُيوباً ولكن الذي فيك أكثر
فسالمهم بالكف عنهم فإنهم بعيبك من عينيك أهدى وأبصر.
ـــــــــــــــــــــــــ
انتَهى.
واللهُ تعالى؛ أعلى وأعلم.
:
وقال بَكر بن عَبدالله: "
إذا رأيتُم الرّجل موكّلا بعُيوب النّاس، ناسيًا لعُيوبه ـ فاعلَموا أنه قد مُكِرَ به".
:
قبيحٌ من الإنسان أن ينسى عُيوبه ... ويذكر عيباً في أخيه قد اختفى
ولو كان ذا عَقل لما عابَ غيره ... وفيه عُيوب لو رآها قد اكتفى
:
نفع الرّحمنُ؛ بما جاء.
غُفرانك؛ ربّنا.
ربّ؛ اهدِنا لأحسَنِ الأخلاقِ والأقوالِ والأعمالِ؛
لا يَهدي لأحسَنها؛ إلاّ أنتَ،
واصرِف عنّا - تَبارَكتَ - سيّئها؛
لا يَصرف عنّا سيّئها إلاّ أنتَ.