ابن جبرين يجمع بين المَعرفة بالنّصوص الشّرعيّة , ومعرفة المذاهب الفقهيّة ,
وبين الرّبط والتّحليل واختيار القول الصّحيح حتى لو خالَف ما عليه النّاس ,
ففتواه يأنس بها طلبة العلم لما فيها من القوةّ العلميّة ,
ففيها الجمع بين أقوال الفقهاء القدامى ,
مع دقة الفقه والفهم للمَسائل المحدّثة المُعاصرة؛
التي يكثر فيها الخِلاف والنّزاع .
فتاواه سبق بها علماء عصره , و لذلك رغم تدريسه لمذهب الحنابلة ،
فهو متوسع في الإطلاع على الحديث والأدلة , بل هو أميل لمذهب المحدثين ,
فكانت فتاواه تحمل المعاصرة مع هيبة الدليل ,
فلم يكن ليرضي العامة بفتاواه أو يساير الواقع ويبررّ للناس فعلهم ,
ولكنه يبحث عن الدليل ويجمع أقوال الفقهاء،
فيكون قوله أشبه ما يكون فيصلاً قويّاً عند النزاع ,
فيحترم طالب العالم رأيه؛ لأنّه مبنيّ على دليل وليس هوى أو مجاراة لما يطلبه المُستمعون .
عرفه النّاس قبل فترة طويلة بأنه صاحب الفتاوى الجريئة؛
التي ربما تخالف بعض أراء مشايخه أو المذهب الحَنبليّ ,
ولكنه لم يكن ليفتي بالرأي أو إرضاء للجمهور أو العامّة؛
بل كان الحقّ مذهبه والدّليل قائده وهاديه .
يُ ـحبّ ويأنس التدريس في المَساجد , وهو متعته وغايته في الحياة ,
فالمسجد هو منبع قوّة المسلمين , ومكان اللقيا فيه هو سمت الصّالحين وشعار المؤمنين ,
فلم يكتف بالظهور الإعلاميّ القويّ, أو ينتقل للمسارح والقاعات الفخمة فقط ,
بل جمع بين الحسن كله , ولكنه لا يقدم على المَسجد شيئاً ,
حيث تؤدى الصّلوات وتتنزل الرّحمات،
وتخشع القلوب في بيوت الله تعالى .
فهو يجلس في حلقته يومياً ساعات يُدّرس , يجلس على كرسي مُتواضع،
مرتفع قليلاً ليراه الطلاب الكثيرون , طلابه فيهم القضاة وفيهم أساتذة الجامعات ،
وفيهم أصحاب المناصب الرفيعة وفيهم شباب في بداية الطلب من طلاّب الجامعات،
وغيرهم وهم من جِنسّيات مختلفة , وبقدرة فائقة يمنحهم جميعاً حناناً واحداً ،
ومَ ـحبّة صادقة وهم يبادلونه الشّعور بالمثل .
يلتف الطلاب حوله كفراشات تجمع الرّحيق الجميل , يعلمهم ويفهمهم ,
لا يملّ من أسئلتهم واستشكالاتهم , يسهل لهم المعلومات ولا يعقدها ,
يحاول إيصال الفكرة بأقرب طريق فيضرب لهم الأمثلة ,
يستشهد بالأشعار التي يحفظ منها المئات الكثيرة ليشحذ أذهانهم ,
ويلقي عليهم الأسئلة ليختبر جودة فهمهم , يدرس لطلابه الكتب المنوعة في العلوم ,
فهو مُعلمُ للحديث والمصطلح , ومُعلمٌ للفقه وأصوله , ومُعلمٌ للعقيدة الصّافية النقية ,
وُمعلمٌ للغة العربية نحوها وصرفها , وهكذا تنوعت معارفه وقدرته ,
لكنها لم تكن عن تشبع بما لم يعط , ومحاولة لإظهار العلم ,
بل هي قوة علمية شهد له بها كبار شيوخه , وأذنوا له في التدريس والتعليم .
يعتني بعقائد طلابه , يعلمهم عقيدة الإسلام النقية ويحذرهم من البدع ,
ربما لحقه تجريح وردود على بعض ذلك في بعض الوسائل الإعلامية لكنه لا يبالي ,
فصفاء عقائد المسلمين أولى في نظره من كل شيء , فماذا ينفع الطالب علمه إذا فسدت عقيدته ,
أو شك في المنهج الذي يتبعه , أو ضعف في بيان الحق الذي ينجيه من النّار يوم القيامة ,
وإذا رأى الطالب شيخه يعتني بالعقيدة ترسخ ذلك في مستقبل حياته ,
وترسم ذلك في طريقة تعليمه لمن سيعلمهم بعد موت شيخه .
يجتمع الطلاب بعد الدروس حوله , فيكتب لهذا تزكية , لهذا شفاعة ,
ويجيب سؤال أحدهم , يبستم ويضحك مع صغيرهم وكبيرهم ,
يأخذ بأيديهم ويحثهم على فعل الخيرات , وعلى نشر الدّين وطلب العلم ,
يخرجون فينهاهم عن التّعلق بشخصه فهو يمنعهم من تقبيل رأسه ويده ,
ولطالما ردّ أناساً ودفعهم بعيداً عن جسمه وهم يرغبون في تقبيل رأسه؛
كما هي العادة المُتّبعة في نـَجد عند مقابلة أهل العلم,
فلا يسمح بتقديسه والتّمسح به ويغضب من ذلك ولا يرضاه .
يدرس أحياناً في بيته , وأحياناً في الَمسجد ,
وفي بعض السنّين ضاقَ البيت بالطلاب فنقل الدّرس للمَسجد ,
هكذا يُ ـحبّ أن يكون مُعلماً .
يتكلم كثيراً في دروسه عن آداب وأخلاق طالب العلم ,
يسرد عشرات الأبيات في العلم وفضله , يتكلم عن الصّفا ت الخلقيّة والأخلاقيّة ,
بدون أن يكون في ذلك تشبه بالصّوفية ,
أو بالخيال الذي يجعل طالب العلم جسداً مهاناً أمام الشيخ ,
يسجل الطلاب هذا الكلام بالمُسجلات , ينسخونه , يتداولونه بينهم ,
ثم يطبع مفرقاً, يصبح كلامه أنموذجاً عملياً غير مبالغ فيه ,
فليس مغرقاً في الخيال , ويناسب الواقع والحياة المعاصرة ,
ويتلائم بين متطلبات الأسرة والجسد والأقارب , وبعض المناهج؛
التي يذكرها غيره تكاد تغرق في المثالية , وترغب في قطيعة الأرحام وإهمال الأسرة القريبة .
يحذرهم من أن يكون للطالب عقل معطل عن التفكير كما يفعل شيوخ المتصوفة والرافضة ,
ويتكلم عن الاحترام بين العالم والمتعلم بدون أن يكون هناك تبعية روحية،
أو تقليد وتعظيم للذوات , تراه سهل لين يضغط بيد ناعمة على يد السائل,
ليحاول إفهامه إذا تعسر عليه الفهم ,
يجلس على الأرض المفروشة بالسجاد , أو التّراب والبسط المُتواضعة ,
أو الأرائك الفارهة كل ذلك سيان عنده , فهو معلم من طبقة الشعب،
يعيش حياتهم ويتقرب لقلوبهم ولا يتكلف من أجل ذلك شيئاً .
في عدد من المجالس شاهدته يجلس على الأرض ويقترب منه السائلون ,
فيفسح لهم ليكونوا بجواره , وربما رفع رجله ليجلس متحفزاً ؛ل
يسعَ المكان للسّائل الذي سيجلس بجواره , فكان بعض علية القوم وكبارهم،
يتحدّثون بصَوت خافت، إنه لا يعجبهم هذا التّنازل للنّاس،
ويرون أنّه يجب أن يكون له أبهة وهيبة زائدة ,
أما ابن جبرين فكان هو الرّجل المُتواضع حقاً بدون تكلف،
وبدون أن يبحث عن شخص يعظمه أو يقدره , فهو يرى نفسه خادماً للنّاس،
ولطلبة العلم وليس أكثر من ذلك .
جدول دروسه اليومي أشبه بجامعة مفتوحة مجانية , يدرس الكتب الكثيرة ,
بدون أن يتألم أو يتوجع أو يتذمر , لا يعرف عنه أنه طرد طالباً أو شتم حاضراً ,
أو تململ من الحضور وانسحب , أو انقطع فترة طويلة؛
لغير سفره للمحاضرات والدّعوة خارج الرّياض .
يقضي سحابة يومه بين أهله وكتبه ومسجده وطلبته , ومع ذلك يعجب المرء؛
من عدم تخلفه عن إجابة الدّعوات الخاصّة والعامّة , وتلبية الطلبات الخارجيةّ؛
للمحاضرات والندوات , وتسجيل الحلقات التّلفزيونيّة ,
وتربية أولاده الذين لا يكادون يُفارقونه في أغلب رحلاته وزيارته ,
فهم يذهبون معه بناء على رغبتهم وبطلبهم وليس إكراهاً منه لهم ,
فترى فيهم الحُ ـبّ والاحترامَ، وحسن الترّبية والرّغبة لمرافقة أبيهم حيثما ذهب .