العودة   منتديات النُصرة الإسلامية > النّصرَةُ العامّ > نَبضُ الأمّةِ. > السّيرِ والتّراجِم
السّيرِ والتّراجِم سٍير وتَراجمُ الصِحاِبةِ وِالتِابِعْينِ ومَشائخنا وعُلماءُ الأُمة جزآهم الّله عن الأُمة خَيرَ الجَزآء

عَبدالله بِن جِبرينَ؛ (الأسطورَةُ المُشاهَدَةُ )!

السّيرِ والتّراجِم


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-26-2009, 01:52 AM   #1 (permalink)
معلومات العضو
أثرجة
- مُشرٍفة شَرعُ ربِنا وَمِنْهاجُ نبِينا -
 
الصورة الرمزية أثرجة" 
					border="0" /></a>
				</div>
   
			<div class= 







أثرجة غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
أثرجة is on a distinguished road

افتراضي عَبدالله بِن جِبرينَ؛ (الأسطورَةُ المُشاهَدَةُ )!

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عليكُم ورحمةُ الله تعالى وبركاتهُ وفَضلهُ ومَغفرتهُ

إخوَتي في الله؛

إنّ في هذي الحَياةِ؛ ( أُنـاسـاً
لَهمُ ( هَـمٌّ )؛ أكبَرُ.
وأهدافٌ؛ أسمى.

يَسعَونَ؛ لرقيّ الكَونِ حَولهمُ.
ولِل ( أمّـةِ ) القَدرُ الأكبَر؛
مِن اهتِمامهمُ و( هُمومهمُ ).

يَرونَ؛ الدّنيا لا شّيءَ!
وهي - وأيمُ الرّحمنِ - لا شَيءَ؛
إلاّ؛ انّها ( قَـنطَرَةٌ ) و ( مَزرَعَـةٌ ) للآخِـرَةِ.
فطوبى؛ لمَن وعى ذا.
وأعدّ

مُلخّصٌٌ؛
لمَسيرَةِ؛ ( شَـيْخ ٍ).
آجرَهُ الرّحمنُ؛ مِن منّهِ والإحسانِ.

ها هُنا،
- بمنّهِ؛ جلّ وعَلا -

عَساهُ - بمنّهِ - أن َينفَعَ بها.

/
\
/


عَبدالله بِن جِبرينَ؛ (الأسطورَةُ المُشاهَدَةُ )!



/
\
/

شيخ في الثّمانين من العمُر , تداعب همّته ونشاطه مخيلة أبناء العشرين .
ليس ابن جبرين من دهماء الناس وعامتهم , بل هو رأس الطبقة وزينة الوقت,

وهو اليوم مَفخرة من مفاخر علماء السّنة , وعالم من أكابر عُلماء الزّمن الحاضِر .
كلّ من جالسه عرف أنه عالم وداعية , زاهد وداهية , عربيّ غير مُستعجم ,

حضريّ غير خاضع لذلّ الحضارة , شيخ في طاقة شاب , ورجلٌ يحمل همّ أمة .
بلغ من العُلوم أعلاها , يرع في العلوم حتى أُعجِب به من رآه وسمعه ,

وبرَع في التعليم حتى أتعب من بعده .


بين الواحاتِ بيُوت القرية:
عَبدالله بن عبدالرّحمن بن جِبرين هكذا اسمُه الكامل ,
ولد في عام (1349) في قلب جزيرة العرب , بين قرى وادعة , ونخيل باسق ,
وصحراء ممتدة شاسعة , تسمى بلدته الكبرى (القْويعيّة) ,
وقريته التي نشأ بها مع والديه تسمى (الرّين) وهي قرية صغيرة تتبعُ إداريّاً البلدةَ الأم.


تقع هذه المنطقة بعيداً عن الرّياض عاصمة المَملكة العربيّة السّعودية بمسافة (160)كيلو متر تقريباً ,
في الطريق المؤدي لمكة ويعرف بطريق الطائف ,

ولد ابن جبرين في قَ ـلب الجزيرة الصحراوي حيث عَرَف الرمال والتلال ,
وعرف المزارع والأشجار التي هي واحات في عمق الصحراء , تنقل على ظُهور الجِمال ,
و ذاق حرارة الشّمس النّجديّة , جلس بجوار أشجار الغَضا يناجيها وتُناجيه ,
وسرح ببصره في جلال وعظمة الكون ليلاً ونهاراً .




لعبَ وقفزَ على بُيوتِ الطّين المنتشرة هناك , شرب من مياه الآبار الضّحلة ،
وجلس على أطرافها يسمع الأخبار والحكايات , لبس الملابس المُتواضعة في قريتهِ الطّينيّة ,
لم يلبس الغالي والنفيس , لم يفكر في شراء أثواب كل شهر أو شهرين ,
بل كان مثل أبناء الجزيرة العربية آنذاك يفرح بالثّوب والثوّبين من العيد إلى العيدِ ,
عاش بين الناس الذين تقاربت مستويات معيشتهم , عاش بآمالهم ,
وعاش بأحلامهم , وتغنى بمستقبلهم , ضحك بين النخيل ,
جرى مع الطيور والعصافير يداعبها وتداعبه , وجرى مع الصّبية؛
وهم يلهون بين ماء الزّروع وبقايا الغنم والإبل هناك ,
يراهُ النّاس وهو قد ملأ الطينُ رجليه وساقيه النّحيلتين،
ويفرح بذلك الجو البهيج فهو يعتبر ذلك شعاراً للإنسان الحرّ النّبيل .
لم يكن والده في القرية رجلاً عاديّاً بل كان من المتعلمين , ولذلك أحاط والده برعايته ,

ونشأ بن جبرين بين أبوين حَنونين في بيوتِ الطّين الجَميلة ,
حيث الحياة الرّيفيّة الهادئة البعيدة عن مُنغّصات المُدن , حفظ القُرآن وهو صَغير ,
تعلم على طريقة الكتاتيب والكتابة في الألواح ,
نشأ بين مكتبة والده وقرأ عليه عدداً من العلوم ,
وتنقل على شيوخ القرى يطلب العلم ,
ومنهم شيخه الأكبر الذي يدعى عند الناس أبو حبيب واسمه ( عَبدالعزيز الشّثريّ ) ،
فقرأ عليه كثيراً من العلوم والفنون ولازمه ملازمة كثيرة وطويلة ,
يراه النّاس بين المَزارع والنّخيل وهو يَمشي على قَدميه؛
ليسمعَ من شيخ في قرية أخرى أو يرحل لقرية أخواله ,
وأحياناً يركب الجمل إذا كان المكان بعيداً يحتاج لوقت طويل ليسمع حَديثهم ويتعلّم منهم .



في قريته أوفي طريقه لزيارة القرى , يلتقي مع النّاس على سجيّتهم ,
يشاركهم البيع والشراء , يسمع قصصَهم وأخبارهم وغزَواتهم ومَعاركهم ,
يتعلم طريقة الحياة , يرى الفلاح والعالم والشّاعر كيف تتلاحم أواصر المَ ـحبّة بينهم؛
في القرية الصّغيرة , نشأ وشبّ وكبر في قريته وبين أهله وذويه ,
ربّما رَحل مع والدته إلى أخواله في موسم التّمر حين يشتد ,
فيسيرُ بين الرّمال والتّلال والكثبان وفي بطون الأودية؛
وهو فرح مَسرور تلفحه شمس الّصحراء , ويتّقيها بيده،
أو يحجبها بقماش فوق رأسه أو يداريها بظلّ بيتٍ طينيّ قَديم،
أو شجرة باسقة شامخة , حياة وادعة , أناس طيّبون على فِطرتهم وسجيّتهم ,
لا يوجد أخلاط من أجناس الناس وشعوب الأرض ,
عرف النقاء والصدق منذ نعومة أظفاره .


ابن القرية في العاصمة :


تمر به الأيام والليالي , وتسير به السّنون , يخرج ذلك الفتى الجميل القرويّ؛
بقوامه المعتدل كالسّيف الصّقيل , يخرج بعد أن قارب الخامسة والعشرين من العمُر من قريته؛
ليؤم الرياض عاصمة المَملكة السّعوديّة , خرج مع شيخه عَبدالعزيز أبو حبيب ,
خروجه كان في عام (1374) , ذهابه إلى لرياض لأجل أن يدرس في مدارس التعليم النظامي؛
في المعهد الذي أنشأه المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم , تقدم للدراسة،
وتم اختباره وأختاره المفتي آنذاك ليكون مع طلاب السّنة الرّابعة؛
نظراً لتقدمه في العلوم , وبناء على تزكية شيخه أبو حبيب؛
الذي أصبح مدرساً في ذلك المعهد.



لقد وصل إلى الرّياض من قريته بعد أن صلبَ عوده وتزوّج وأحاط بكثير من الُعلوم والفُنون ,
ترك الشّاب أسرته الصغيرة ووالديه في القرية وسافر هو بجسدهِ وبقي قَ ـلبه ,
سيعيش بضع سنين لوحده في بلد الغربة كما يراه آنذاك قبل أن يَستقدمهم ,
وسيرسل من مَصروفه لأهله لكي يَقتاتوا عليه ,
سيرتقي في سلم النجاحات والتفوق إلى أن يصل القمة .

وفي الرّياض يأنس بحضارة المُدن الكبرى , يتأقلم مع تلك الحياة المعقدة ,
تستمر حياته في الرّياض بقية عمره , ويعيش بجسده بين أكوام البشر وزحمة الطرقات،
ودخان عوادم السيارات , ويبقى الفتى القروي في عاصمة الحَضارة؛
كما هو بأخلاقهِ العربيّة , فهو كريم , وشجاع , وشهم ,
و(صاحب فزعة ) , وهو لا يرضى بالكذب ,
ولا يأنسُ بالمُجاملات الخادعَة , ولا يحبّ أن يحيى حياة اللّهو والعَبث أو حياة الذّلة والهوان .


... ******* ...

ـــــــــــــــ

يُتبَـعُ؛ إن شاءَ اللهُ تَعالى.


واللهُ تعالى؛ أعلى وأعلم.

حَفِظَ الرّحمنُ؛ والِدَنا وشَيخَنا وعلاّمَتَنا،
وأطالَ - عَلى الباقياتِ الصّالحاتِ - لهُ عُمُراً.

غُفرانك؛ ربّنا.

ربّ؛ ألهِمني رُشدي، وأعِـذني من شرّ نَفسي.

 

__________________



،’
مَن نَذرَ نَفسهُ لخِدمةِ دينِه فسَيعيشُ مُتعباً،
ولكِن سَيحيا كَبيراً، ويَموتُ كَبيراً، ويُبعثُ كَبيراً،
والحَياةُ في سَبيل الله أصعبُ مِن المَوتِ في سَبيل الله

سماحةُ الوالِد العلاّمَةُ شيخنا/ عَبدالعَزيز بن عَبدالله بِن باز؛
رحمهُ الله تعالى وعَفا عنهُ، وغَفَرَ لهُ.

  رد مع اقتباس
قديم 06-26-2009, 02:25 AM   #2 (permalink)
معلومات العضو
أثرجة
- مُشرٍفة شَرعُ ربِنا وَمِنْهاجُ نبِينا -
 
الصورة الرمزية أثرجة" 
					border="0" /></a>
				</div>
   
			<div class= 







أثرجة غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
أثرجة is on a distinguished road

افتراضي

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عليكُم ورحمةُ الله تعالى وبركاتهُ وفَضلهُ ومَغفرتهُ

إخوَتي في الله؛

تابِـعُ؛
طيّبِ؛ ( سيـرَةٍ

لفَضيلَةِ شَيخِنا؛ حَفِظهُ اللهُ تَعالى.

/
\
/




عَبدالله بِن جِبرينَ؛ (الأسطورَةُ المُشاهَدَةُ )!



/
\
/


يعيش مع عامّة الّناس كما سيعيش بعد ذلك مع المُلوك والكُبراء ,
تمرّ به الأيام فإذا هو يطأ بأقدامه البلاط الملكيّ والقُصور العامِرة ,
بعد أن كان يمشي في تراب القرية وطينها سابقاً , فلم يتغيّر من هَيبة الحَياة،
وقيمتها شيء في نظَره ,
كان في القرية يسير على الرمضاء , ويسافر على الجِمال ,
أمّا في المدنية الصّاخبة الواسعة؛ فهو يسير بالسيارات المكيفة الفاخرة ,
ويُسافر بأسرع الوسائل الحديثة ,
تغير النّمط والأسلوب ولكن بقيت المعاني والقيم كما هي ,
بل حتىّ ثوبه ونعله وهيئته هي من فصيلة وسلالة ذلك المَلبوس القَديم مع تَطوير لا يكاد يذكر ,
فالإنسان العربيّ في قلبه وحياته لم يتزحزح ,
وجوهره واحد وإن اختلفت الأماكن والصفات .


تحول ذلك القرويّ لأشهر أبطال العاصِمة , فهو غاية في البَساطة والتّواضع؛

في الحَديث مع الجُلساء , وغير مُعقد في ِصفة الجُلوس حيث يترك نفسه على سجّيتها القرويّة ,
فيحترم الجليس ويقوم للغريب ولا يمل المرء من مجالسته اللّطيفة ,
وهو سَهل في مواعيد الزّيارة والحياة الاجتماعية,
وفوق كل هذا هو في القمّة من العلم الواسع المتُخصّص،
والثقّافة التي يَعجب المَرء من تنوّعها في صَدره , ولديه من الشّجاعة والقوّة؛
ما يُبهر أبناء المُدن وسكُان العَواصم الذين أحَ ـبّوا الحياةَ وبَهرجها,
وهو من أقدر النّاس على التّعامل مع الحضارة الحديثة ,
ولديه القدرة على فهم أبعادها وحاجَة النّاس إليها , فلم يتقوقَع حول نفسه ,
أو ينكمش مع الماضي الجميل الذي أدركه .


تفوّق دراسيّاً على زملائه , وترقّى في شَهادات التّعليم النّظاميّ ,

وحصل على شهادة الدكتوراة التي تفخر به ولا يفخر بها عادة ,
حصل عليها بعد أن قارب عمُره السّتين سنة , وذلك في حوالي عام (1407) ,
تقدم بها في مجلدات كثيرة , وهي في تخريج أحاديث كتاب وتحقيقه ,
وهو شرح الزركشي على مختصر الخرقيّ , لم تكن الشهادة ذات قيمة علميّة له آنذاك ,
ولكنه ساير الحضارة ولم ينقطع عنها , ولم تكن هذه الشّهادة لتهبه منصبا جديداً ,
أو سلماً وظيفياً عالياً فقد بلغ سنّ التّقاعد أو قاربه.


لم يعاتب نفسه بقوله:

إني بدأت في الدّراسة النّظاميّة بعد أن بلغت الخامسة والعشرين؛
فماذا تفيدني هذه الشّهادات , لم تُراوده نفسه أنّه نشأ بين بيئة علميّة تقليديّة ؛
لاتقدر هذه الشهادات وحملتها , لم يُفكّر أن مشايخه لم يحصلوا على شَهادة رسميّة ولو صَغيرة ,
ولكنّ نفسه طامِحة للسّمو والعُلوّ وهاهو البطل اليوم يصبح عصريّاً ,
بدأ من الكتابة على الألواح في كَتاتيب القرية , ودرس في التّعليم النّظاميّ بعد أن كَبُر سنّه ,
وناقش رسالته ولحيته بيضاء ناصعة , ناقشها وطلابه؛
هم دكاترة الجامِعات وعُمداء الكُليّات ,
ولم يُرهبه هذا فأحَ ـبّ أن يُزاول هوايته العلميّة , أحَ ـبّ أن يَمشي في ركاب الحَضارةِ،
ويكسر التقاليد والأعراف , فعاش عمُره بين النّخل والماء وبُيوت الطينِ،
ولازال يُ ـحِبّ تلك الحياة ويألفها , وعاش بين المدن والطائرات والبنايات الضخمة .
إنّه مُذهلٌ حقاً فقد جمع بين الأصالة والمُعاصرة ,
بين القَ ـلبِ القرويّ والعَقل الحضريّ .



مَنزله ومَناصبه الزّهيدةُ :
لم يأبه للمناصب الرسمية , وكثير من النّاس يَصفونه بمَناصب تَشرفُ به,
وينعتونه بها من حُسن ظنهّم بنزاهَة المَناصب ومن يتولاّها , لكنّه لم يعين فيها أصلاً ,
بل ليس له منصب رفيع إلا في قلوب الناس , فهو خَطيب لجامع عاديّ في الرّياض ,
وعضو إفتاء مُتقاعد فقط , هكذا بدون زيادة ,
شغل منصب معلم في معهد في الريّاض سنين طوال ,
وهذا المَعهد إنمّا تُعادل شَهادته الثّانويّة ,
ونقلت خدماته للجامعة على كِبر سِنّه , فلم يمكثُ فيها إلاّ بضعَ سنين .


ثم طلبه شيخه ابن باز ليكون معه في رئاسة الإفتاء بمرتبة مفتٍ يردّ على الهاتف،

ويُجيب على الأسئلة الشفهية ويراجع البحوث قبل نشرها بمجلّة الإفتاء ,
لم يكن ذا منصب رسمي كبير في رئاسة الإفتاء مثل بقية الشّيوخ ,
ولكنه إذا دخل مكتبه تقاطر الناس عليه كما يتقاطرون على مواقع الرّبيع والخير ,
فكان هو زينةَ للمَنصب , وبقي رفيع الجاه ِوالمَكانة عند الناس .


هذا هو ابن جبرين رجلٌ يملأ سَمع وبصر طلبة العلم في الخليج قاطبة ,

يتشرف طلبة العِلم بجلسةٍ معه , يَفخرون بسؤاله مُباشرة ,
وهو يُ ـحِبّهم ويودهم ولا يأبه بدُنياهم , وما ازداد إلاّ حُ ـبّاً في قُ ـلوبِ النّاس ,
وما أزداد إلاّ تواضعاً , فهو طيّب القَ ـلبِ , وادعٌ في تعامُله ,
حَنون على أمّته وأبنائِها.


هاهو يبحث عن اليَتيم والأرملة , كما يبحث المزارع عن شَجرة يُ ـحبّها ؛

فينظر هل تحتاج لعناية فيُصلحها , يقضي سحابة نهاره مع الشّعب ,
يمسحُ دمعة هذا , ويشفعُ في حال ذاك , يجمع تبرعات لتلك الأسرة الفقيرة ,
يسدد فاتورة الكهرباء لذلك العجوز الذي لم يجد مُعيناً وأنيساً ,
يسمع الأخبار عن أحوال المُضطهدين والمُشرّدين في العالم ,
يبكي ويحزَن ويتألم لمُصاب ابن آدم على هذا الكَوكب الصّغير .


في بداية الأمر سكن الرّياض في أول قدومه في بُيوت الطين وبقي فيها دهراً طويلاً ,

ثم بنى بيتاً في حيّ من أحياء المدينة المُمتدّة وبيته الجديد في الرّياض،
لم يبنه إلاّ بعد أن زاد عمره على الخَمسين ,
يقع المنزل في منطقة عادية وحيّ يسكنه عامّة النّاس ,
وكان مبلغ بنائه للمنزل عبارة عن قرض من صندوق للإقراض العقاريّ الحكوميّ؛
في المملكة بدونِ فوائد ربويّة .


فهو مثل بقية عباد الله من أواسط الشّعب ذوي الدّخول المَحدودة رغم شهرته وسمعته ,

يقترض من الصّناديق العامّة , ويسدّد من حسابه كلّ شهر , ولو أراد أن يتاجر بكتبه،
أو يرتزق من محاضراته ودروسه لفِعل ولغنم أي غنيمة , لم يهرب من الدّنيا ويرفضها ,
ولكنه لم يركض ويلهث ورائها , ومع ذلك جاءتهُ الدّنيا صاغرةً فركلها بقدميه ,
وآثر ما عند الله فعاش سعيداً مَ ـحبوباً من النّاس .




أبطالٌ من الصّحراءِ :


نخوته ونجدته أصبحت حديث الناس , فهو يتكلّم بصوتٍ مسموع إذا عجز العُلماء عن النّطق ,
ويتحرك إذا قعدت بهم نفوسهم عن الحركة , يُصارع الحياة ويغالب الوقائع ,
يراه المرء في مواقف الكرامة التي يخشى الشّاب على نفسه من الوُلوج فيها .


لا يرضى بأن تؤذى حَمامة فكيف بأن يؤذى مسلم ,

وأعظم من ذلك في نظره أن يكون الذي لحقه الأذى عالماً مخلصاً ,
أو شاباً أوذي من أجل دينه وعقيدته , فيراه النّاس جميعاً يحرص أن يكون أوّل الزّوار له ,
والمناصرين له , لا يُبالي بكلام النّاقمين , ولا يلتفت لغضب الغاضبين ممن جرفتهم الأهواء ,
أو خشوا أن يؤثر ذلك على مكانتهم الدّنيويّة أو مَناصبهم الرّسميّة .


عرفه طلبة العلم في المواقف الصعبة , فهو لا يتحدث إذا وجد من يكفيه في الحديثِ؛

فهو لا يتكلم لمجرد أن يقال تكلم فلان, وهو لا يشارك الغوغاء صخبهم؛
سواء كانوا من المنتسبين للعلم أو جهلة الناس ,
ولكنه إذا رأى أن العجز والضعف دب لقلوب الخاصة , وخشي أن لا يقوم بالحقّ قائم ,
تراه وقد قام من بين الصفوف ليكون فيصلاً وناطقاً يحمَده التّاريخ ,
فهو يَسترُ عنا سوءةَ الضّعف والخَور؛ التي رافقت المُسلمين في عصورهم المُتأخّرة .


في مواقفه تلك يحرص ألا يؤذي هذا ولا ذاك , فهو لا يَمدُّ لسانهُ؛

لشتم أحد أو التّنقص من أحد, بل يعمل في صمت وخلق رفيع ,
ويحمل في قَ ـلبه ِصدق العربيّ القرويّ الذي يعامل النّاس بصفاء سَريرة ومودّة ومَ ـحبّة ,
ولذلك زرع مَح ـبتّه في قُ ـلوبِ الحُكام والمحَكومين ,
فهو طراز فريد اجتمعت فيه غيرة المؤمن وإباء وعزّة العربي ّالصَميم .


يحافظ على الأمن الفكريّ والأمن الحسيّ , لا يشوش على النّاس حَياتهم ,

ولا يحث على زعزعة الأمن , ولا يقبل أن يشوه الدين , يقف بحِكمة ورَوعةٍ دائماً ,
ولو جمعت مواقفه في ذلك لكانت شيئاً عجباً يستفيد منها الجيل بعد الجيل .


من مواقفه التي أوذي فيها وخرج ناصعاً نقياً ,

موقفه من طائفة من الُمنادين بشعارات ظاهرها الرّحمة وباطنها الخداع والتمويه .


فقد فصل من عَمله الرّسميّ بسبب جمعيّة تأسّست باسم الدّفاع عن الحُقوق ,

وليس لها من اسمها نصيب , جاء أصحابها إليه فأيدهم شفهياً ,
كما يُبارك ويؤيّد كثيراً من أصحاب المشاريع , فأوهموا العامّةَ؛
أن من زعمائهم ابن جبرين , كانت هذه الوقائع والأحداث بعد حَرب الخَليج؛
التي احتل فيها العراقيّون الكويت بسنتين وذلك عام (1413) .


فثارت عليه الصّحف ليس من باب كرهها في المعارضة ,

ولكن لأنّه عالم شرعيّ دينيّ ورغبة في إقصائه ,
وإلاّ فمنهج عدد من الكُتاب في الصّحافة العربيّة فيه لوثة كبيرة ,
وعدد منهم ينتمي لتيّارات فكريّة هدّامة ويعلن ذلك في كل مَحفل ,
ومع كلّ تلك المَخازي لعدد من كتاب الصّحف لم تتحدّث الصّحافة عن أصحابِها ,
ولم تزمجر في وجه أصحابها بالويل والثبور وعظائم الأمور؛
كما هي عادتها إذا كان الخصم يمثل الإسلام , وعندما قامت الحملة الشّرسة عليه ِ،ل
م يحاول ابن جبرين إثارة الرأي العام ولا الانتصار لنفسه , ولم يشتم أحداً أو يؤذي أحداً ,
فهو لم يتعوّد على الانتصار لنفسه , وإنّما هدفه دائماً نصرة الإسلام .


ثم بعد فترة عرف ابن جبرين حقيقة هذه الفئة ,

بعد أن تواصل معه عدد من كبار العلماء الذين عرّوهم من قَديم ,
وعرف أنهم يتلبسون باسم الحقوق ليصلوا لمَآرب أخرى ,
ففاجأ النّاس بخطاب كتبه بخط يده , كما هي عادته في خطاباته،
وفتاواه التي لا يقبل أن يصوغها أحد له , نشَر تبرّؤه من هذه المجَموعة بكلّ وُضوح،
وبدون لبس وغموض , وأعلن عدم تأييده لهم ولمَنهجهم ,
وذكر أن الخَير والصّلاح في جمع الكلمة , ولم الّشمل , وأنّ التّفرق مَذموم في الشّريعة ,
ومنهج الإصلاح ليس فيه تأليب على انفلات الأمن , ولا دعوة للخُروج على النّظام العام ,
وليس فيه تهيج لعواطف العامة واستغلال سذاجتهم وسطحية تفكيرهم ,
ولا تَلبيس وتدليس للحّقائقِ، وكتم الحَسنات وإظهار السّيئات .


ـــــــــــــــ

يُتبَـعُ؛ إن شاءَ اللهُ تَعالى.


واللهُ تعالى؛ أعلى وأعلم.

غُفرانك؛ ربّنا.

ربّ؛ قِني عَذابكَ؛ يومَ تَبعَث عِبادَكَ.

 

__________________



،’
مَن نَذرَ نَفسهُ لخِدمةِ دينِه فسَيعيشُ مُتعباً،
ولكِن سَيحيا كَبيراً، ويَموتُ كَبيراً، ويُبعثُ كَبيراً،
والحَياةُ في سَبيل الله أصعبُ مِن المَوتِ في سَبيل الله

سماحةُ الوالِد العلاّمَةُ شيخنا/ عَبدالعَزيز بن عَبدالله بِن باز؛
رحمهُ الله تعالى وعَفا عنهُ، وغَفَرَ لهُ.

  رد مع اقتباس
قديم 06-26-2009, 03:01 AM   #3 (permalink)
معلومات العضو
أثرجة
- مُشرٍفة شَرعُ ربِنا وَمِنْهاجُ نبِينا -
 
الصورة الرمزية أثرجة" 
					border="0" /></a>
				</div>
   
			<div class= 







أثرجة غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
أثرجة is on a distinguished road

افتراضي

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عليكُم ورحمةُ الله تعالى وبركاتهُ وفَضلهُ ومَغفرتهُ

إخوَتي في الله؛


الحَمدُ؛ للهِ تَعالى.

تابِـعُ؛
ما جاءَ أعلاهُ.

/
\
/

عَبدالله بِن جِبرينَ؛ (الأسطورَةُ المُشاهَدَةُ )!



/
\

/


شجاعته في التبرؤ منهم أذهلت الناس , فهو بهذا يخالف سذاجة العامة وبساطة تفكيرهم ,
وكثير من أصحاب الأقلام الصحفية يحاول أن يكسب التيّار المُعارض،
ولو كان على الباطل والجهل , والحق أن العالم الربانيّ،
هو الذي يقول الكلمة بناء على ما ترجّح له ,
ليس بناء على ضغط طلابه وجمهوره , ولذلك كان بيانه في تلك الفترة؛
من علامات قوته وشجاعته في قول ما يعتقد هو , وعدم قبوله للفكر الهمجيّ الغوغائيّ .

من مواقفه الخالدة موقفه في الدّفاع عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،

والدفاع عن أعراض أمهات المؤمنين , لقد سطر على صفحات المجد أروع القصص؛
في الذّب عن أعراض الأبرار الأتقياء , وجاءه من الأذى؛
ما لو وزع على جموع كثيرة لأتعبهم , حرصه على العقيدة والتّوحيد؛
أكثر من حرصه على جمع حُطام الدّنيا والسّعي خلف بهارجها ومناصبها ,
لم يحسن بعض الجهلة التعامل مع مواقفه هذه , وشنعوا عليه وعليها ,
ولكنه قال وكتب ما يكون شامة في جبين الأمّةّ التي ضَرب الذّل والهوان على أكثرها .

ابن جبرين لازال شوكة في حلوق طوائف من أهل البدع والخرافة ,

وخاصة الرّافضة الذين يشتمون الصّحابة ويكفّرون أمّهات المؤمنين،
ويطعنون في الرّسالة الخالِدة وقرآنها وحملتها ,
ويتمسحون بقبور الأولياء ويدعون سادتهم عند الملمات ويَنسون فاطر الأرض والسّموات .

فتاواه فيهم مصدرها الكتاب والسنة , وهدفها حماية المجتمع المسلم من الاغترار بالشّعارات البراقة ونسيان العقائد المنحرفة , كان موفقاً وحكيماً وشجاعاً في مواقفه ,

فكم من رسالة جامعية لم تؤثر فيهم , وكم من مؤتمر عام؛
للتّنديد بجرائمهم لم يظهر أثره عليهم , وكم من خطبة ومحاضرة؛
تكلمت عنهم لم تجد طريقها للناس .

ولكن قصاصة من كلام من ابن جبرين أو خطبة منه قلبت الدنيا ظهراً على عقب ,

وتلقفتها القنوات الإخبارية مباشرة , وسعت الصحافة لإبرازها والحديث عنها؛
فالمتحدث هو العالم الجليل وبطل الرياض العظيم .

كلامه عنهم طار في الشّرق والغرب وأصبح تاريخاً لوحده ,

كما فعلت فيهم يوماً من الأيام خطبة إمام المسجد النبويّ الشّيخ عليّ الحذيفيّ ,
لقد تعالت صيحات الرافضة مطالبة النصارى بمحاكمة ابن جبرين !! ,
تعالت صيحاتهم المشبوهة مطالبة بمُحاسبته علناً وهو طريح الفراش يُصارع المرض؛
لا يدري عن نفسه ,
فهل رأيت مَريضاً يهابه ملايين الأصحاء في الأبدان!!
فصحة العقل والدّين لا يعدلها صحة وقوة ,
ومرض العقل والدين، لا يصلح معه شيء آخر.

ابن جبرين رغم فتاواه في الرافضة قد بين مراراً للطلاب والناس مغزى الفتاوى ,

فبيان الحق لا يعني استحلال الدماء وخلخلة الأمن , ففرق بين البيان العلمي وحماية عقول الناشئة والعامة , وبين القتل والتدمير وإزهاق الأرواح .

وهذا حق وعقل , ومتى اجتمع الحق والعقل الرّشيد صلحت البلدان،

وعمرت الأوطان وحميت الأديان , وإذا نظرنا كيف أن الله أمر بجهاد المنافقين ,
وأمر بالغلظة عليهم , وهذا الأمر بجهادهم جاء في أكثر موضع ,
ولم يكن أمراً للنّدب بل هو للوُجوب ,
ومع ذلك لم يأمر الله بقتلهم , ولم يأمر الله بزَعزعة الأمن في المدينة النّبويّة؛
التي كثر فيها المُنافقون في عصر النّبوة , وقد تَرَك النّبيّ صلى الله عليه وسلم قتلهم؛
تقديراً لشعور النّاس العام وحتى لا يقال إنّ محمّداً يقتل أصحابه .

وكان النص القرآني يفضحهم ويفضح مخططاتهم , ويُشِّهر بأعمالهم , ويتحدث عن صفاتهم وطريقة كلامهم , ولكن بقيت شخوص كثير منهم مجهولة لكثير من الصّحابة ,

حتى أن النّبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر نفراً يسيراً من الصّحابة ؛ع
ن شخوص المُنافقين وأسمائهم , وعاش الناس في ظل دولة إسلاميّة ,
تطبق شرع الله , وتقيم حدود الله ,
وهي تعلم أن من بين أبنائها ومن بين أعضائها شياطين في المكر والفساد والعناد .

وإذا كان هذا حال القرآن مع المنافقين فهكذا حال العلماء الربانيين مع أهل البدع ,

فهم يبينون للناس دين الله , ويفضحون المخططات ويجهزون عليها ,
يقولون الحق بدون مواربة أو ضبابية أو غموض وتلبيس , فدين الله له رجال يحمونه ,
وله رجال يذودون عن حياضه , ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين .

وكلام أهل العلم يجب أن يفهم على أنه للبيان والحقيقة ,

وليس استغلالاً لواقع سياسي أو مطمع دنيوي , وأعمال الجُهال لا يلام عليها العلماء ,
وإلا لحذفنا آيات العداوة من المصحف مع اليهود والنصارى؛
حتى نجامل اليوم الغرب ونسير في ركاب حضارتهم .



الرّحالة ُالكَبير في جِبال وصَحراء المَملكة :

الحقّ الذي لا مريَة فيه أنه بعد وفاة شيخه ابن باز أصبح عالم الرّياض الأكبر ,

ومفتي الناس , ومعلم الناس الخير , الشّيخ الذي يتترّس الشبّاب الأقوياء بفتاواه،
ومواقفه ويكون أولهم في الصّف , صاحب الرّحلات الصّيفيّة الوعظيّة والإرشاديّة الطويلة جدّاً .

تراه وهو شيخ كبير تتناوشه الأمراض , يُسافر في كلّ صيف يطوفُ المَملكة؛

من شرقها إلى غربها , ومن الجنوب إلى الشمال , يقطع الآف الكيلومترات ,
يبحث عن الناس في المدن , أو في البوادي , يبحث عنهم في مدينَة عالميّة ,
أو قرية ساحليّة , أو مجموعة تعيش في الجِبال بعيداً عن الحضارة ,
لا يهمه ذلك , المهمّ أنّه سيجد بشراً؛
يتحدث معهم , سيجد أقواماً يرشدهم إلى الله, سيجد أناساً يسألونه فيجيب .

يجلس بين الناس بكل حب وود ونقاء , يبين لهم أحكام الشريعة بوضوح ويسر , يراعي ظروفهم , ويتكلم بما يناسب عقولهم , يتكلم ولا يمل هو من الحديث المكرر فهو يتكلم في هذه القرية ,

ويعيد الموضوع عند جارتها , وهكذا بدون ملل , ربما شرح لهم كتاباً وأقام أياماً ,
وربما عقد لهم دورة علمية مكثفة كل سنة , يكتب لهم التّزكيات والّتوصيات ,
ويزور مشاريعهم الخيرية ويجلس مع أعضائها ,
ويلتقي بالقضاة وطلبة العلم والدّعاة الذين يحرصون أن يروه ويجلسون معه ,
مع أنّه لا يحمل صفة رسمية للزيارة ,
بل يسبق زيارته أحياناً تنسيق مع رجال الدّعوة هناك ,
لا يدخل قصور المسئولين والأمراء في المناطق إلا نادراً ,
تراه يسكن في منزل متواضع أو فندق عادي ,
يظنه الإنسان يستعجل نشاطه قبل عجزه , ويمارس رياضة مع روحه وجسده؛
ليرتقي بها للكمالات .

وكل هذا يفعله بدون مقابل ماليّ أو تكليفٍ رسمي ّ,

والأعجب أنّه يسافر بدون أن يتنقل في طائرة ليس لأنّه يحرّمها ,
بل لأنها لن تدخل القرى والبوادي التي يريدها , فهو يتنقل بسيارته في لهيب الحرّ؛
حيث صيف الجزيرة العربيّة اللاّفح , يتنقل مع رفقة من طلاّبه ,
تارة في مدينة جبلية أو في مدينة ساحليّة , من مكّة إلى جدّة والطائف والباحَة وأبها ,
ثم تراه يسافر إلى الساحل الشرقي لدورة علمية مكثفة ,
ثم يعود إلى المدن النّجديةّ القائمة على الصّحاري اللاّهبة ,
ثم شمال الجزيرة مروراً بالمسجد النبوي , ويستمر في الرّحلة قرابة الشّهرين من كل عام ,
وهو قد جاوز السّبعين من عمره .

ولقد حدثني عدد كبير من الدّعاة عن القرى النائية التي دخلها ,

ولقد رأيته بنفسي أيضاً يدخل مناطق وقرى بعيدة عن مواطن التّجارة والمطارات والأسواق ,
وهذه القرى لم يزرها داعية بحجم أحد من طلابه فكيف بمثله ,
فتراه بين الجبال في قرى تهامة , وفي سهول الأودية ,
وفي قرى الشّمال حيث الصّحراء , وهو في غاية النّشاط والحِرص على التّعليم .

يتغير رفقائه في الرحلة أحياناً , فمن ذا الذي يستطيع أن يصمد كما يصمد ؟ ,

ومن ذا الذي يتحمل ويطيق ما يتحمل ؟ .

إنه يحمل قَ ـلباً نقياً , قَ ـلباً ينبض بحب الإسلام , قَ ـلباً لم يزل يُ ـحبّ الناس ويأنس بهم ,

قَ ـلباً يحيُ ـحبّ الإرشاد والوعظ والتعليم ونفع الّناس , إنه يبحث عن النّاس،
ولا يكتفي بمجرّد الكلام , يبحث عنهم في المَساجد والتّجمّعات .

حدثني أحد خواصّ طلاّبه ممّن يعملُ مُدرّساً في إحدى الجامِعات قائلاً :

قررت يوماً أن أصحبه في محُاضرة خارج الرّياض بمائة وخمسين كيلاً ,

فاتفقت مع سائقه الذي هو من طلابه عادة , فصليت العصر مع الشيخ في المسجد؛
يوم الأربعاء , فألقى درسه في الفرائض وشرح الرّحبية ,
ثم انطلقنا قبل المغرب وصلينا قي أطراف الرّياض ,
ولازلنا نسير وهو يملأ السيارة علماً وحكمة حيث كنا اثنان معه فقط ,
وربما سمع شريطاً لبعض محاضرات طلابه أو من في مستواهم ,
يقول تلميذه هذا: ثم استأذنته في قراءة قطعة من كتاب زاد المستقنع ,
فأذن لي , فكان يشرح لي كما يشرح في المسجد أو سع , وكنت أناقشه في كل مسألة ,
وهو لا يتملّمل من ذلك بل يفرح بذلك , فلمّا قارب وقت العشاء وصلنا للمدينة التي سيلقي فيها المحاضرة وكانت بعد العشاء , فألقى محاضرته وهو في غاية النشاط والقوة ,
يقول محدثنا فغلبني النعاس من وعثاء السّفر , ولكنّي تمالكت نفسي ,
ثم انطلقنا بعد المحاضرة لمناسبة دعي إليها في هذه المدينة ,
فحضرها وألقى عليهم بعض النصائح والمواعظ , وأجاب على أسئلتهم ,
وفوجئت أن المحاضرة كانت عبارة عن درس شهري يلقيه عليهم من سنين بانتظام .

قال صاحبنا: ثم قفلنا عائدين للرّياض , فإذا هو يحمل في جيبه شريطاً تسجيلاً ؛

أهداه له أحد الناس بعد المحاضرة فستأذن منا لتشغيله وسماعه ,
وبعد سماعه وفراغه عدنا لحديثنا الشّيق وسماع الفوائد منه ,
ووصلنا للرّياض في تمام السّاعة الثانية ليلاً , وأوصلنا الشّيخ لسكنه ,
يقول صاحبنا وذهبت لأنام ولكنني فوجئت بأن درس الخميس لابن جبرين بقي عليه نحو ثلاث ساعات فقط ويبدأ , وسألت من معي هل أقام درسه اليوم الخميس،
فكانت المفاجأة أنه أقام الدرس واستمر مع طلابه وأحْ ـبابه يشرحُ لهم،
ويعلق إلى قرابة السّاعة التاّسعة صباحاً , ثم أقام دروسه في ذلك اليوم كالمعتاد. .

انتهى كلام تلميذه الحَ ـبيبِ .
ـــــــــــــــ

يُتبَـعُ؛ إن شاءَ اللهُ تَعالى.


واللهُ تعالى؛ أعلى وأعلم.


غُفرانك؛ ربّنا.

ربّ؛ أوزعني أن أشكُر نعمَتكَ؛

التي أنعمتَ عليّ وعَلى والديّ،
وأن أعمَلَ صالِحاً تَرضاهُ.

 

__________________



،’
مَن نَذرَ نَفسهُ لخِدمةِ دينِه فسَيعيشُ مُتعباً،
ولكِن سَيحيا كَبيراً، ويَموتُ كَبيراً، ويُبعثُ كَبيراً،
والحَياةُ في سَبيل الله أصعبُ مِن المَوتِ في سَبيل الله

سماحةُ الوالِد العلاّمَةُ شيخنا/ عَبدالعَزيز بن عَبدالله بِن باز؛
رحمهُ الله تعالى وعَفا عنهُ، وغَفَرَ لهُ.

  رد مع اقتباس
قديم 06-26-2009, 03:11 AM   #4 (permalink)
معلومات العضو
أثرجة
- مُشرٍفة شَرعُ ربِنا وَمِنْهاجُ نبِينا -
 
الصورة الرمزية أثرجة" 
					border="0" /></a>
				</div>
   
			<div class= 







أثرجة غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
أثرجة is on a distinguished road

افتراضي

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عليكُم ورحمةُ الله تعالى وبركاتهُ وفَضلهُ ومَغفرتهُ

إخوَتي في الله؛

الحَمدُ؛ للهِ تَعالى.

تابِـعُ؛
سـيرَةِ شَيخِنا؛ حَفظهُ ربّنا تَبارَكَ وتَعالى.


/
\
/




عَبدالله بِن جِبرينَ؛ (الأسطورَةُ المُشاهَدَةُ )!



/
\
/

كان بإمكانه أن يبررّ لنفسه بكِبر سنّه وتأثير السّفر عليه وعلى صحّته ,

أو يبرر لها خشونة صوته , أو توفّر القنوات الفضائية ذائعة الصّيت؛
التي كانت تستضيفه وتذيع حلقاته ودروسه , لكنه لم يفعل ذلك أبداً .


فظهر في القنوات حيث القوة الإعلامية وسعة الانتشار , وظهر في حلقات المساجد؛

حيث الشّباب الُمتوضّئ الجميل الطلعة , وظهر في جلسات البيوت حيث الخُصوصيّة وحريّة الحوار ,
وظهر في مجالس الملوك والوجهاء حيث الأبّهة والعظمة ,
وفي كل ذلك كان هو ذلك الذي يعرفه النّاس , فلم تتغيّر نَبرته , ولم يتغيّر مَوقفه ,
ولم تتغيّر رقته وبساطته.




المُعلّم المُحتسب الحَليمُ :
بن جبرين هكذا يقال اسمه اختصاراً , عالم ٌ فريد الطراز ,
يلقي دروسه على طريقة الشرح والتقرير و التحرير غالب ,
اليوم ويشرح في اليوم الواحد كتباً وفنوناً تحتاج لتحضير وتأمل ومراجعة ,
لكنه واسع الإطلاع , سريع التحضير , يستحضِر الأدلّة والنّصوص كما يستحضر الهواء لرئتيه .


ابن جبرين يجمع بين المَعرفة بالنّصوص الشّرعيّة , ومعرفة المذاهب الفقهيّة ,

وبين الرّبط والتّحليل واختيار القول الصّحيح حتى لو خالَف ما عليه النّاس ,
ففتواه يأنس بها طلبة العلم لما فيها من القوةّ العلميّة ,
ففيها الجمع بين أقوال الفقهاء القدامى ,
مع دقة الفقه والفهم للمَسائل المحدّثة المُعاصرة؛
التي يكثر فيها الخِلاف والنّزاع .


فتاواه سبق بها علماء عصره , و لذلك رغم تدريسه لمذهب الحنابلة ،

فهو متوسع في الإطلاع على الحديث والأدلة , بل هو أميل لمذهب المحدثين ,
فكانت فتاواه تحمل المعاصرة مع هيبة الدليل ,
فلم يكن ليرضي العامة بفتاواه أو يساير الواقع ويبررّ للناس فعلهم ,
ولكنه يبحث عن الدليل ويجمع أقوال الفقهاء،
فيكون قوله أشبه ما يكون فيصلاً قويّاً عند النزاع ,
فيحترم طالب العالم رأيه؛ لأنّه مبنيّ على دليل وليس هوى أو مجاراة لما يطلبه المُستمعون .


عرفه النّاس قبل فترة طويلة بأنه صاحب الفتاوى الجريئة؛

التي ربما تخالف بعض أراء مشايخه أو المذهب الحَنبليّ ,
ولكنه لم يكن ليفتي بالرأي أو إرضاء للجمهور أو العامّة؛
بل كان الحقّ مذهبه والدّليل قائده وهاديه .


يُ ـحبّ ويأنس التدريس في المَساجد , وهو متعته وغايته في الحياة ,

فالمسجد هو منبع قوّة المسلمين , ومكان اللقيا فيه هو سمت الصّالحين وشعار المؤمنين ,
فلم يكتف بالظهور الإعلاميّ القويّ, أو ينتقل للمسارح والقاعات الفخمة فقط ,
بل جمع بين الحسن كله , ولكنه لا يقدم على المَسجد شيئاً ,
حيث تؤدى الصّلوات وتتنزل الرّحمات،
وتخشع القلوب في بيوت الله تعالى .

فهو يجلس في حلقته يومياً ساعات يُدّرس , يجلس على كرسي مُتواضع،
مرتفع قليلاً ليراه الطلاب الكثيرون , طلابه فيهم القضاة وفيهم أساتذة الجامعات ،
وفيهم أصحاب المناصب الرفيعة وفيهم شباب في بداية الطلب من طلاّب الجامعات،
وغيرهم وهم من جِنسّيات مختلفة , وبقدرة فائقة يمنحهم جميعاً حناناً واحداً ،
ومَ ـحبّة صادقة وهم يبادلونه الشّعور بالمثل .


يلتف الطلاب حوله كفراشات تجمع الرّحيق الجميل , يعلمهم ويفهمهم ,

لا يملّ من أسئلتهم واستشكالاتهم , يسهل لهم المعلومات ولا يعقدها ,
يحاول إيصال الفكرة بأقرب طريق فيضرب لهم الأمثلة ,
يستشهد بالأشعار التي يحفظ منها المئات الكثيرة ليشحذ أذهانهم ,
ويلقي عليهم الأسئلة ليختبر جودة فهمهم , يدرس لطلابه الكتب المنوعة في العلوم ,
فهو مُعلمُ للحديث والمصطلح , ومُعلمٌ للفقه وأصوله , ومُعلمٌ للعقيدة الصّافية النقية ,
وُمعلمٌ للغة العربية نحوها وصرفها , وهكذا تنوعت معارفه وقدرته ,
لكنها لم تكن عن تشبع بما لم يعط , ومحاولة لإظهار العلم ,
بل هي قوة علمية شهد له بها كبار شيوخه , وأذنوا له في التدريس والتعليم .

يعتني بعقائد طلابه , يعلمهم عقيدة الإسلام النقية ويحذرهم من البدع ,
ربما لحقه تجريح وردود على بعض ذلك في بعض الوسائل الإعلامية لكنه لا يبالي ,
فصفاء عقائد المسلمين أولى في نظره من كل شيء , فماذا ينفع الطالب علمه إذا فسدت عقيدته ,
أو شك في المنهج الذي يتبعه , أو ضعف في بيان الحق الذي ينجيه من النّار يوم القيامة ,
وإذا رأى الطالب شيخه يعتني بالعقيدة ترسخ ذلك في مستقبل حياته ,
وترسم ذلك في طريقة تعليمه لمن سيعلمهم بعد موت شيخه .


يجتمع الطلاب بعد الدروس حوله , فيكتب لهذا تزكية , لهذا شفاعة ,

ويجيب سؤال أحدهم , يبستم ويضحك مع صغيرهم وكبيرهم ,
يأخذ بأيديهم ويحثهم على فعل الخيرات , وعلى نشر الدّين وطلب العلم ,
يخرجون فينهاهم عن التّعلق بشخصه فهو يمنعهم من تقبيل رأسه ويده ,
ولطالما ردّ أناساً ودفعهم بعيداً عن جسمه وهم يرغبون في تقبيل رأسه؛
كما هي العادة المُتّبعة في نـَجد عند مقابلة أهل العلم,
فلا يسمح بتقديسه والتّمسح به ويغضب من ذلك ولا يرضاه .


يدرس أحياناً في بيته , وأحياناً في الَمسجد ,

وفي بعض السنّين ضاقَ البيت بالطلاب فنقل الدّرس للمَسجد ,
هكذا يُ ـحبّ أن يكون مُعلماً .


يتكلم كثيراً في دروسه عن آداب وأخلاق طالب العلم ,

يسرد عشرات الأبيات في العلم وفضله , يتكلم عن الصّفا ت الخلقيّة والأخلاقيّة ,
بدون أن يكون في ذلك تشبه بالصّوفية ,
أو بالخيال الذي يجعل طالب العلم جسداً مهاناً أمام الشيخ ,
يسجل الطلاب هذا الكلام بالمُسجلات , ينسخونه , يتداولونه بينهم ,
ثم يطبع مفرقاً, يصبح كلامه أنموذجاً عملياً غير مبالغ فيه ,
فليس مغرقاً في الخيال , ويناسب الواقع والحياة المعاصرة ,
ويتلائم بين متطلبات الأسرة والجسد والأقارب , وبعض المناهج؛
التي يذكرها غيره تكاد تغرق في المثالية , وترغب في قطيعة الأرحام وإهمال الأسرة القريبة .


يحذرهم من أن يكون للطالب عقل معطل عن التفكير كما يفعل شيوخ المتصوفة والرافضة ,

ويتكلم عن الاحترام بين العالم والمتعلم بدون أن يكون هناك تبعية روحية،
أو تقليد وتعظيم للذوات , تراه سهل لين يضغط بيد ناعمة على يد السائل,
ليحاول إفهامه إذا تعسر عليه الفهم ,
يجلس على الأرض المفروشة بالسجاد , أو التّراب والبسط المُتواضعة ,
أو الأرائك الفارهة كل ذلك سيان عنده , فهو معلم من طبقة الشعب،
يعيش حياتهم ويتقرب لقلوبهم ولا يتكلف من أجل ذلك شيئاً .


في عدد من المجالس شاهدته يجلس على الأرض ويقترب منه السائلون ,

فيفسح لهم ليكونوا بجواره , وربما رفع رجله ليجلس متحفزاً ؛ل
يسعَ المكان للسّائل الذي سيجلس بجواره , فكان بعض علية القوم وكبارهم،
يتحدّثون بصَوت خافت، إنه لا يعجبهم هذا التّنازل للنّاس،
ويرون أنّه يجب أن يكون له أبهة وهيبة زائدة ,
أما ابن جبرين فكان هو الرّجل المُتواضع حقاً بدون تكلف،
وبدون أن يبحث عن شخص يعظمه أو يقدره , فهو يرى نفسه خادماً للنّاس،
ولطلبة العلم وليس أكثر من ذلك .


جدول دروسه اليومي أشبه بجامعة مفتوحة مجانية , يدرس الكتب الكثيرة ,

بدون أن يتألم أو يتوجع أو يتذمر , لا يعرف عنه أنه طرد طالباً أو شتم حاضراً ,
أو تململ من الحضور وانسحب , أو انقطع فترة طويلة؛
لغير سفره للمحاضرات والدّعوة خارج الرّياض .


يقضي سحابة يومه بين أهله وكتبه ومسجده وطلبته , ومع ذلك يعجب المرء؛

من عدم تخلفه عن إجابة الدّعوات الخاصّة والعامّة , وتلبية الطلبات الخارجيةّ؛
للمحاضرات والندوات , وتسجيل الحلقات التّلفزيونيّة ,
وتربية أولاده الذين لا يكادون يُفارقونه في أغلب رحلاته وزيارته ,
فهم يذهبون معه بناء على رغبتهم وبطلبهم وليس إكراهاً منه لهم ,
فترى فيهم الحُ ـبّ والاحترامَ، وحسن الترّبية والرّغبة لمرافقة أبيهم حيثما ذهب .
ـــــــــــــــ

يُتبَـعُ؛ إن شاءَ اللهُ تَعالى.


واللهُ تعالى؛ أعلى وأعلم.


غُفرانك؛ ربّنا.

ربّ؛ اغفِر وارحَم، واعفُ وتكرّم،
وتَجاوَز عمّا تَعلمُ؛
إنّك تَعلمُ؛ مالا نَعلمُ،
أنتَ العفوّ الأكرمُ.

 

__________________



،’
مَن نَذرَ نَفسهُ لخِدمةِ دينِه فسَيعيشُ مُتعباً،
ولكِن سَيحيا كَبيراً، ويَموتُ كَبيراً، ويُبعثُ كَبيراً،
والحَياةُ في سَبيل الله أصعبُ مِن المَوتِ في سَبيل الله

سماحةُ الوالِد العلاّمَةُ شيخنا/ عَبدالعَزيز بن عَبدالله بِن باز؛
رحمهُ الله تعالى وعَفا عنهُ، وغَفَرَ لهُ.

  رد مع اقتباس
قديم 06-26-2009, 03:37 AM   #5 (permalink)
معلومات العضو
أثرجة
- مُشرٍفة شَرعُ ربِنا وَمِنْهاجُ نبِينا -
 
الصورة الرمزية أثرجة" 
					border="0" /></a>
				</div>
   
			<div class= 







أثرجة غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
أثرجة is on a distinguished road

افتراضي

بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عليكُم ورحمةُ الله تعالى وبركاتهُ وفَضلهُ ومَغفرتهُ

إخوَتي في الله؛

الحَمدُ؛ للهِ تَعالى.

تابِـعُ؛
سـيرَةِ شَيخِنا؛ حَفظهُ ربّنا تَبارَكَ وتَعالى.


/
\
/




عَبدالله بِن جِبرينَ؛ (الأسطورَةُ المُشاهَدَةُ )!



/
\
/

شيوخ وتلميذ :


كما يُ ـحبّ طلابه فهو يُ ـحبّ مشايخه ويرى أنّ الوفاء؛

أعظم من مدحهم في الوجه أو تقبيل رؤوسهم أو أيديهم ,
قبل عشر سنوات حضرت جنازة الشّيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله بمكّة ,
فرأيت الجموع بمئات الألوف وبعد خروج الجنازة من المَسجد الحَرام توجهت للمقبرة .


وكان بن جبرين من خواصّ طلابه وأحبابه ,

ولكثرة الزّحام طوّق الحرس المقبرة أثناء الدّفن بمئاتِ العَسكر؛
حتّى لا تتهدّم القبور , وحتّى لا تسقط الجَنازة ,
وكانت لحظة الدّفن حزينة جدا ًعلى الناس , بعد فراغ أهله ومن رافقهم؛
من الأمراء والكبراء؛ من دفنه , كنت أشاهد المنظر من خارج المقبرةِ،
على أطم صغير جلست على حافته مثل المئات غيري .


خرج الناس وبقي شيخ نحيل الجسم , مصقول الوجه ذا لحية بيضاء نقيّة ,

أمام الألوف المؤلفة بقي هذا الشّيخ لوحده وهاهو يقف على القبر ,
رافعاً يديه ودموعه تسيل على خديه وهو يدعو لصاحب القبر ,
وذهب الناس وذهبت المواكب الرسمية , وفتحت المقبرة وبقي هو قائم يدعو لشَخِهِ؛
بدون أن يتحرّك أو يتأفف من حرّ الشّمس , لم يكن الشّخص غريباً على النّاس؛
فهو ابن جبرين , كان المنظر مؤثراً مثل تأثير الجنازة نفسها ,
إنه صادق في حُ ـبّه وصادق في وفائه وصادق في تعامله .


تراه بعد خمسين سنة على فراق مشايخه يذكرهم , ويدعوا لهم ,
يعرف الناس بهم .فيتكلم عن شيخه محمد بن إبراهيم،
وهو مفتي الديار السعودية السابق توفي (1389

ويعقد محاضرات للتعريف به وبشخصيته وصفة دروسه ,
كان ابن إبراهيم من أفذاذا الرجال ولذلك أثرت شخصيه على ابن جبرين ,
فهو صاحب مناصب حساسة وثقيلة ,
رجل يدير عدة وزارات , ومع ذلك لم يترك التدريس والتعليم في المسجد! ,
لكنه مع الناس والعامة قلباً وقالباً , يجده الفقير وطالب العلم في المسجد أو البيت؛
بدون عناء في البحث أو أن يجد مذلّة في سبيل الحصول على دقائق للجلوس معه .


يتكلم عن شيخه أبو حبيب الشثري وقد توفي سنة (1387) ,

فتراه يفيض عند الكلام عنه وعن مواقفه في الأمر بالمعروف والصدع بكلمة الحق ,
ويسجل رحلاته وأخلاقه وصفاته , أبو حبيب الشثري من كبار رجال الدولة ,
وله مكانة خاصة في قَ ـلب ابن جبرين , فقد عاش معه في القرية ثم أصطحبه للمدينة؛
التي هي العاصمة الكبرى , وبسبب أبي حبيب تعرف ابن جبرين بالمفتي والمشايخ سريعاً؛
فقد كان يصطحبه للمجالس الخاصة معهم أحياناً , فيرون فطنته وذكائه وعبقريته ،
ومن العجائب أنه سجل يوميات رحلته مع شيخه أبو حبيب لزيارة قُرى وهَجر شمال المَملكة؛
في عام (1380) , وطبعت هذه الرّحلة بعد خمسين سنة ,
وفن الرحلات لم يكن من الفنون التي يدونها بالتفصيل علماء نجد آنذاك ,
وهي رحلة ماتعة يذكر فيها معاناة الصحراء ,
وصفة البدو والقبائل , ويذكر فيها الفوائد العلميّة والنّفيسة التي مرّت بهم في الرحلة .


عندما يتحدث ابن جبرين عن شيوخه فإنما يتكلم عنهم من باب البر والوفاء ,

فما كان ليجحد فضل أحد عليه , ولا كان ليظهر نفسه بمظهر العصامي في العلم،
بل كان يدعوا لهم ويذكر محاسنهم , ويجدد ذكراهم للناس .


حديثُ الصّور والمَشاعر :

عندما توفي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز رحمه الله أمير منطقة مكة سنة (1428
وصلي عليه في الرياض , نقلت شعائر الصلاة عليه في القنوات الفضائية ,
كان الناس عندنا في السّعوديّة متسمرين عند الشّاشاتِ؛
يشاهدون مراسم التّشييع والصلاة عليه .

في الجامع الكبير في الرياض حضر مسئولون كُثر من الدول الإسلامية ,
وجميع أفراد الأسرة الملكية , وجميع الوزراء والمسئولين للصّلاة على الأمير عبدالمجيد رحمه الله ,
كان المسجد محاطاً بألوف من العسكر والجنود ,
وفي لحظة سَريعة بدا أمام المُشاهدين و الحضور خيال ابن جبرين يدخل من الباب الأمامي ,
اصطفاه وزير الداخلية الأمير نايِف بن عَبدالعزيز ليكون بجواره ,
فما بينهما من الحُ ـبّ والصّفاء؛
أكبر من أن تكدره ظنون وأراجيف الأعداء , أدى السنة وقدّم واجب العزاء؛
في الفقيد وتكلم مع الأمير نايف ثم تحولت الكاميرا عنهم قليلاً .

ولكن ملايين المشاهدين في السعودية وغيرها تفاجئوا بتغيير مكان ابن جبرين بعد لحظات معدودة ,
فيكون له مكان جديد في صدر المقام , حيث أصبح بجوار الملك،
وكبار الأسرة المالكة , ورأى الناس ولاة الأمر يقدمونه على أبنائهم،
وضيوف الدولة والوزراء والأمراء ,
وهم فرحين بكونه معهم , فلسان حال الجميع يقول له :
( يا إمام أنت أعلم من يمشي اليوم على وجه جزيرة العرب ,
فتعال لتدعو لأميرنا وأخينا الرّاحل بالرّحمة والغفران ,
فبمثلك من الصّالحين تلتمس إجابة الدّعوة ) .

لم يكن ابن جبرين مجهول الشّكل عند الأمراء الكبار, فهم يعرفونه جيداً ويعرفهم ,
ولم يكونوا يحملون له إلا الحب الذي يبادلهم إياه ,
ولم يكن عنيفاً في تعامله أو قاسياً في خطابه , بل كان عالماً ربانياً .

ومجالس عدد من كبار الأمراء ذوي المناصب الرّفيعة في السّعودية؛
يغشاها العلماء وطلبة العلم , وليس الأمراء كما يصورهم بعض الجهلة بعيدون عن العلم وأهله ,
ولكن الإعلام العربي والمحلي في واد والحياة الدينية في البلد في واد آخر ,
فغالب أخبار الإعلام وصوره عن سفلة المغنين وأراذل الناس , وأما أخبار العلم وأهله ,
وأخبار الدروس العلمية في المساجد وأصحابها فلا تذكر إلا للنقد والتشويه ,
وأما زيارة العلماء من أهل السنة لولاة الأمر فهي ليست للبهرجة،
والضجيج الإعلاميّ كما يظن الناس , بل هناك تلاحم ومودة ومحبة أكبر من زيارة رسميّة؛
ربما لا يريدها الضيف , ولذلك تعجب المصورون من هذا المنظر،
ومن هذا الكهل الذي لا يعرفه أكثرهم ويتغير مكانه أكثر من مرة في محبة وإجلال له ,
وتداولت معظم الصحف ومواقع الأخبار هذه الصور وكأنهم يشاهدون هذا الرجل لأول مرة .
بقيت هذه الصور في الإنترنت يشاهدها من يرغب في ذلك ويحمدون لولاة أمرهم؛
هذا الحُ ـبّ للعلماء الرّبانيّين .

لم يكن ابن جبرين بعيداً عن الناس بل هو محبوب من كل الطبقات ,
يعرف الجميع أنه صادق , لا يستغل علمه لتلميع نفسه , ولا لبناء شعبيّة لقومه ,
ولا للانتصار لحزب معين ضد آخر , وإنما هو يدعو الناس ليطيعوا ربّهم ,
وأن يطبقوا الشريعة على أنفسهم , فهو معلم ومربّ وأب للمجتمع .

عندما سقط ابن جبرين مريضاً في المستشفى قبل أربعة أشهر , كان أوّل الزّائرين له المَلك ,
وإذا قيل الملك عبد الله بن عبد العزيز فمعنى ذلك أن هذا المريض يهم أمره الكبراء قبل العامة ,
وهذا الملك قريب من الناس عطوف على الشعب , وابن جبرين مريض يحمل ضمير الشعب بين جنبيه ,
وهو مريض يحمل هَمّ الناس أينما كان , كسر الملك قواعد ومثاليات الدول؛
في زيارة الرسميين فقط من الشخصيات أو أصحاب المناصب العليا , وذهب مباشرة؛
ليعود رجلاً يحب الناس ويحبونه , اجتمعت طيبة قَ ـلب الملك خادم الحرمين،
مع طيبة قَ ـلبِ ابن جبرين , فهما في رقة الطبع وحُ ـبّ الناس يشتركان سوياً ,
جلس الملك المتواضع على مقعد صغير يرمقه ويدعو له ويباسطه في مرضه ,
وبعد أن زاره أمرَ بأن تتكفل الدولة بعلاجه في أرقى مستشفيات العالم .

قبل بضع سنوات في عام (1426) وفي مدينة جدّة ,
عندما سمع ابن جبرين أن شيخ الحجاز ( سفر الحوالي ) قد مزق المرض جسمه النّحيل ,
وأنّه طريح الفراش في المستشفى،
وفي غرف العناية الخاصّة , أصرّ ابن جبرين على مقابلته والاطمئنان على حالته ,
وذهب بتواضع الزهاد ليعوده وينظر في حاله , فهو يعلم أنّ الحوالي رجل أمة ورجل علم ,
رجل لم يكن ليعيش لنفسه فقط , وهي صفات اشترك فيها العظيمان بطل الصّحراء وبطل الجِبال .

كان ابن جبرين يحضنه كأبٍ يخاف أن يفقد ولده الحَ ـبيب ,
كان يمسح بيده على جسمه ليخفف مصابه ومصاب أهله ,
تسير أصابعه على أطراف جسمه ووجهه وهو يدعوا له ,
يحاول أن يرفع من عزيمته وأن يبشره بثواب الله ورضوانه ,
ينظر ابن جبرين للحوالي كما ينظر لأسد سقط وخارت قواه بإرادة الله لا بإرادة الناس ,
يفكر في الوعي العلمي الذي نشره وأوذي بسببه ,
كأنه يقول في نفسه:
لقد أوذيت أنا وأنت , وهاجمنا الكتاب والناس , لقد حملت همّ أمتك ودينك؛
ولكنك سقطت قبلي على السّرير الأبيض.

وتناقل الناس حديث الزيارة التي صورها بعض المُ ـحبّين؛
بدون أن يكون مع ابن جبرين فريق من الإعلاميين والصحافيين ,
لكنها صُورٌ التقطت بعفويّة مفاجأة من بعض أقارب الحواليّ ممّن حضر اللّقاءَ،
ونشرها في الإنترنت وتداولها النّاس .

لم يمض وقت طويل حتى رأينا المرض يعصف بابن جبرين نفسه ,
وينام على سرير المرض ترقبه عُيون مُ ـحبّيه , وهي دامعة خاشعة لمصابه وألمه ,
وتصبح أخباره وسفره لألمانيا حديث الناس .

وهي سنة الله في أعلام الأمة وقادتها , يُقّطعهم المرضُ؛
كما يقطع غيرهم من الناس, يتألمون ونتألم لألمهم ,
يحملون همّ الناس وربما حمل بعض المخلصين همومهم ,
يشاركون الناس أفراحهم وأحزانهم , يعملون أعمالاً عظيمة لوجه ربّهم الكريم؛
بدون أن يطلبوا من حطام الدنيا شيئاً , بذلوا أوقاتهم وأنفسهم لخدمة هذا الدين ,
ضحوا بأنفس ما يملكون من المال والجاه و الوقت لتكون كلمة الله هي العليا ,
ولن يكون مرضهم عائقاً أمام انتشار الخير والعلم بإذن الله ,
فأمّة أنجبت من قبلهم عظماء ولازالت تنجب عظماء؛
لن تكون عقيمة بإذن الله تعالى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتـــ ـــ
انتَهى؛ المَقالُ.


واللهُ تعالى؛ أعلى وأعلم.

المَصدَرُ/ لا إله؛ إلاّ الله.

وكَتَبَ الأستاذُ/ خِضر بِن صالـِح بن سَند؛
أحسَنَ الرّحمنُ إليهِ وثبّتهُ، وسائرَ إخوَتي هُنا.

جـِدّة 11/6/1430 هـ.

:

ولا إله؛ إلاّ الله؛
لطيّبِ سيرَةٍ؛ ذُكرَت هُنا.

نَحسبُ؛ وما نُزكّي عَلى ربّنا الرّحمنِ مِن أحَدٍ.
أما؛ قَد كانَ حَديثاً؛
اقشعرّت لهُُ الأبدانُ حقّاً.

اللّهمّ؛ أنتَ الله لا إله؛
إلاّ أنتَ؛ ربّ - تَبارَكتَ
اشفِ بمنّكَ شَيخَنا،
واجمَع لهُ - بحَولكِ - بينَ الأجرِ والعافيَةِ.

غُفرانك؛ ربّنا.

ربّ؛ اشفِ مَرضانا، ومَرضى المُسلمينَ.

 

__________________



،’
مَن نَذرَ نَفسهُ لخِدمةِ دينِه فسَيعيشُ مُتعباً،
ولكِن سَيحيا كَبيراً، ويَموتُ كَبيراً، ويُبعثُ كَبيراً،
والحَياةُ في سَبيل الله أصعبُ مِن المَوتِ في سَبيل الله

سماحةُ الوالِد العلاّمَةُ شيخنا/ عَبدالعَزيز بن عَبدالله بِن باز؛
رحمهُ الله تعالى وعَفا عنهُ، وغَفَرَ لهُ.

  رد مع اقتباس
قديم 06-30-2009, 12:06 AM   #6 (permalink)
معلومات العضو
أسامة الخطاب
:: المشرف العام ::
 
الصورة الرمزية أسامة الخطاب" 
					border="0" /></a>
				</div>
   
			<div class= 






أسامة الخطاب غير متواجد حالياً

أحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
أسامة الخطاب is on a distinguished road

افتراضي

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

بورك في الناقل و المنقول عنه و في شيخنا الجليل و الإمام العلم ابن جبرين

أود أن أضيف هذه الأبيات التي كم تمنيت أن أكون شاعرا ً لأقولها أو أقول مثلها في شيخنا ..

(شيخ نحبه)


ياشيخنا الجبرين فاض هوانـا == والحب في الرحمن شد عرانـا
ياشيخنا الجبرين ألـف تحيـة == ألقي بها فـي روعكـم أفنانـا
ياشيخنا الجبرين من هذا الـذي == سيلوم فينا الحب إن هـو بـان
ياشيخنا الجبرين حـب لقائكـم == أرخـى علينـا حبلـه جذلانـا
ماأطيب الصوت الرخيم فإن في == نبراتكـم نـوع بـه أشجانـا
قل للصباح إذا تنفـس ضوئـه == فالضوء من شيخي غدا عنوانا
بل أخبر القمر المنير إذا بـدا == نور الإمام نراه قـد وافانـا)
فيض من العلم الغزير تحدرت ==من نور فيه وقد بـدت ألوانـا
يلقي الفوائـد بيننـا منظومـة == قل كالجواهر قد بـدت لمعانـا
وإذا تراه تـرى كـأن منـارة == من علمه غطـت بـذاك أذانـا
العلم مرسـوم علـى أخلاقـه == والزهد فيه قـد ابتنـى فأبـان
أما التواضع لاتسل عـن مثلـه ==ستكل نفسك أن ترى صنوانـا
بل سائل الصبر الجميل تجد به == نوعا جليلا فـاق كـل منانـا
فاق الشبيبة في السباق فلاترى == إلا الغبار قـد اعتلـى وأبـان
شيـخ بنـى إقدامـه بقواعـد == في الدين لن تبلى ولن تتوانـى
وبنى بها صرح العلوم مدرسـا == فشـدى بإيمـان بـه وتفانـى
يارب فاغفر للحبيـب وزدبـه == علما وزد عمـرا بـه أزمانـا
واحفظه من كل الشرور وكن له == دوما مجيرا مـن أذى يصلانـا


شعر :
ناصر بن عبدالرحمن بن ناصر الحمد

 

  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ابنُ جِبرينَ؛ في ( قُ ـلوبِنا )! أثرجة القِسمُ العاِمْ 2 07-22-2009 10:01 PM


الساعة الآن 02:00 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.3.0
::: برامج تهمك :::




Preview on Feedage: %D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8F%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9 Add to My Yahoo! منتديات النُصرة الإسلامية Add to Google! منتديات النُصرة الإسلامية Add to MSN منتديات النُصرة الإسلامية Subscribe in Pakeflakes منتديات النُصرة الإسلامية Subscribe in Bloglines منتديات النُصرة الإسلامية
Add to Alesti RSS Reader منتديات النُصرة الإسلامية Add to Feedage.com Groups منتديات النُصرة الإسلامية Add to Windows Live منتديات النُصرة الإسلامية iPing-it منتديات النُصرة الإسلامية Add to Feedage RSS Alerts منتديات النُصرة الإسلامية Add To Fwicki منتديات النُصرة الإسلامية

النصرة ا أخبار ا مقالات ا محاضرات ا مرئيات ا فتاوى ا بلوتوث النصرة ا منتديات النصرة ا قرآن كريم ا دروس علمية ا كشكول سوفت