بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عَليكُم ورحمةُ الله تَعالى وبركاتهُ وفَضلهُ ومَغفرتهُ
إخوتي في الله؛
ها هُنا؛
- بمنّهِ؛ جلّ وعَلا -
مُحاضَرَةٌ؛
لكُلّ طيبٍ داعيَةٍ،
ولكلّ خَيرٍ - بمنّهِ - جامِعَةٌ.
عَساهُ سُبحانهُ؛ أن يَنفعَ بها.
:
صلة السّنة بالقرآن وحُكم مَن قال:
لا حُجيّة إلاّ في القرآن وأنكرَ السّنة وماذا يجبُ في حقه!
... ****** ...
:
السّؤالُ:
... ***** ...
ما حُكم الإسلام في عمل المرأة وخُروجها بزيّها الذي نراه في الشّارع والمَدرسة والبَيت هكذا.
وعملُ المرأة الرّيفيّة مع زوَجِها في الحَقل؟
::
الجَوابُ:
... ***** ...
لا ريبَ أنّ الإسلامَ جاءَ بإكرام المرأة والحفاظ عليها وصيانتها عن ذئاب بني الإنسان، وحفظ حقُوقها ورفع شأنها، فجعلها شريكةَ الذّكر في الميراث وحرّم وأدها وأوجب استئذانها في النّكاح وجعل لها مُطلق التّصرف في مالها إذا كانت رشيدة وأوجب لها على زوجها حُقوقاً كثيرة وأوجب على أبيها وقراباتها الإنفاق عليها عند حاجتها،و
أوجبَ عليها الحِجابَ عن نظر الأجانب إليها لئلا تكون سِلعَةً رَخيصةً يتمتّع بها كل أحد، قال تعالى في سورة الأحزاب:
وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ[1] الآية،
وقال سُبحانه في السورة المذكورة:يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا[2]،
وقال تعالى في سورة النور:قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ[3] الآية ..
فقوله سُبحانه: إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا فسره الصحابي الجليل عَبد الله بن مَسعود رضي الله عنه بأن المرُاد بذلك الملابس الظاهرة؛ لأنّ ذلك لا يُمكن ستره إلاّ بحَرج كبير، وفسّره ابن عبّاس رضي الله عنهما في المَشهور عنه بالوجه والكفين،
والأرجحُ في ذلك قول ابن مسعود؛ لأن آية الحجاب المتقدمة تدل على وجوب سترهما ولكونهما من أعظم الزينة فسترهما مهم جدا، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كان كشفهما في أول الإسلام ثم نزلت آية الحجاب بوُجوب سترهما)،
ولأنّ كشفهما لدى غير المحارم من أعظم أسباب الفتنة ومن أعظم الأسباب لكشف غيرهما، وإذا كان الوجه والكفان مزينين بالكحل والأصباغ ونحو ذلك من أنواع التجميل كان كشفهما محرّماً بالإجماع، والغالب على النساء اليوم تحسينهما وتجميلهما،
فتحريم كشفهما متعين على القولين جميعاً، وأمّا ما يفعله النساء اليوم من كشف الرأس والعنق والصدر والذراعين والساقين وبعض الفخذين فهذا مُنكر بإجماع المسلمين؛
لا يرتاب فيه من له أدنى بصيرة والفتنة في ذلك عظيمة والفساد المترتب عليه كبير جداً.
فنسأل الله أن يوفّق قادة المسلمين لمنع ذلك والقضاء عليه والرّجوع بالمرأة إلى ما أوجب الله عليها من الحِجاب والبعد عن أسباب الفتنة.
ومما ورد في هذا الباب قوله سبحانه:
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى[4]،
وقوله سبحانه:وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[5]
فأمر الله سبحانه النّساء في الآية الأولى بلُزوم البيوت.
لأن خروجهن غالباً من أسباب الفتنة، وقد دلت الأدلّة الشّرعية على جَواز الخُروج للحاجة مع الحجاب والبُعد عن أسباب الرّيبة، ولكن لزُومهن للبُيوت هو الأصلُ،
وهو خير لهن وأصلح وأبعد عن الفتنة، ثم نهاهن عن تبرج الجاهلية وذلك بإظهار المحاسن والمفاتن وأباح في الآية الثانية للقواعد وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحا وضع الثياب بمعنى عدم الحجاب بشرط عدم تبرجهن بزينة،
وإذا كان العجائز يلزمن بالحجاب عند وجود الزينة ولا يسمح لهن بتركه إلا عند عدمها وهن لا يفتن ولا مطمع فيهن فكيف بالشابات الفاتنات، ثم أخبر سبحانه أن استعفاف القواعد بالحِجاب خيرٌ لهنّ ولو لم يتبرّجن بالزينة،
وهذا كله واضح في حث النساء على الحجاب والبُعد عن السّفور،
وأسباب الفتنة والله المُستعان.
أمّا عمل المرأة مع زوجها في الحقل والمصنع والبيت فلا حرج في ذلك وهكذا مع محارمها إذا لم يكن معهم أجنبي منها، وهكذا مع النساء، وإنما المحرم عملها مع الرجال غير محارمها. لأن ذلك يفضي إلى فساد كبير وفتنة عظيمة كما أنه يفضي إلى الخلوة بها وإلى رؤية بعض محاسنها، والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها وسدّ الذّرائع الموصلة إلى ما حرم الله في مواضع كثيرة، ولا سبيل إلى السعادة والعزة والكراهة والنجاة في الدنيا والآخرة إلا بالتمسك بالشريعة والتقيد بأحكامها والحذر مما خالفهما والدعوة إلى ذلك والصبر عليه. وفقنا الله وإياكم وسائر إخواننا إلى ما فيه رضاه، وأعاذنا جميعا من مُضلات الفتن إنه جواد كريم.
ـــــــــــــــــــــ
[1]سورة الأحزاب الآية 53.
[2]سورة الأحزاب الآية 59.
[3]سورة النّور الآيتان 30-31.
[4]سورة الأحزاب الآية 33.
[5]سورة النّور الآية 60.
انتَهَتِ؛ الفَتوى.
واللهُ تعالى أعلى وأعلمُ.
فَتوى سَماحَةَ العلاّمَةَ/
عَبدالعَزيز بن عَبدالله بن باز؛
رحمهُ اللهُ تَعالى، وعَفا عنهُ وغَفَرَ لهُ.
ونَفعَ سُبحانهُ؛ بما جاءَ.
غُفرانك؛ ربّنا.
ربّ؛ نَسألُكَ همّةً للخَير،
والدّعوَةِ إليهِ، والثّباتِ عَليهِ.