إن الذي يجرح صيام العبد على نوعين:
الأول: ما يفسد به الصيام، ويلزمه قضاء يوم مكانه، وهو الأكل والشرب، والجماع، والحيض والنفاس، والقيء عمدًا، والحجامة عند من يرى الفطر بها، وغيرها من المفسدات المذكورة في كتب الفقه.
الثاني: ما ينقص أجر الصيام، ويخرق عبادة الصوم، ويذهب فائدتها وبركتها.
ويحصل حفظ الصيام عن هذا بما يلي:
الأول: صيام القلب عن الشك والريبة، والشرك، وسيء الأخلاق، فيطمأن قلبه بالله جل وعلا، فلا يشك ولا يرتاب، ويتعلق بالله فلا ينظر إلى غيره، ولا يتطلع لأحد سواه، ويطهر قلبه من الغل والحسد والبغضاء.
الثاني: صيام العين: إن الصائم تصوم عينه؛ فيغض بصره ويكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يُذم ويكره، وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله عز وجل، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله، فمن تركها خوفًا من الله آتاه الله عز وجل إيمانًا يجد حلاوته في قلبه)) رواه الحاكم في المستدرك (4/346، رقم 7875) من حديث حذيفة، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه الطبراني (10/173، رقم 10362) من حديث عبد الله بن مسعود..
ألم تر أن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [سورة طـه 20/131]، فالصائم يمسك عينه عن هذا النظر الذي يملأ القلب بزينة الحياة الدنيا والتعلق بها، ويشغل الجوارح بطلبها، فإذا صامت عينه عن ذلك فرغ قلبه من التعلق بزخارف تتحول وتتبدل، ووجه نظره إلى ما هو خير وأبقى، واستعد لاستقبال ما يرد عليه من كلام الله وذكره، والانشغال به.
الثالث: صوم اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء، وإلزامه السكوت عما فيه مضرة، أو ما لا منفعة فيه، وقد قال سفيان: "الغيبة تفسد الصوم" رواه بشر بن الحارث عنه، وروى ليث عن مجاهد: "خصلتان يفسدان الصيام الغيبة والكذب"، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم)) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ليس الصيام من الطعام والشراب، وإنما الصيام من اللغو والرفث)) رواه البخاري، وقال أيضًا: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) رواه البخاري.
الرابع: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه؛ لأن كل ما حرُم قوله حرم الإصغاء إليه، ولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت}، وقال عز وجل: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت}، وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [سورة النساء 4/140].
والسمع بريد القلب، فمن حفظ سمعه فقد حفظ قلبه وروحه من أن يصل إليها ما يفسدها، وقد ورد أن ((الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع))، والألحان شراب الأرواح التي تسكر بها، وتطرب لها، وتنشغل بها عن سماع كلام الله والاستفادة منه.
الخامس: كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره، وكف البطن عن الأكل الحرام وقت الإفطار، فلا معنى للصوم -وهو الكف عن الطعام الحلال- ثم الإفطار على الحرام، فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصرًا ويهدم مصرًا، فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته، لا بنوعه، فالصوم لتقليله، وتارك الاستكثار من الدواء خوفًا من ضرره إذا عدل إلى تناول السم كان سفيهًا، والحرام سم مهلك للدين، والحلال دواء ينفع قليله ويضر كثيره، وقصد الصوم تقليله.
السادس: أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار، بحيث يمتلئ جوفه، فما من وعاء أبغضُ إلى الله عز وجل من بطن ملئ من حلال، وكيف يُستفاد من الصوم قهرُ عدوِّ الله وكسرِ الشهوة إذا تداركَ الصائمُ عند فطره ما فاته ضَحوةَ نهارِه؟!! وربما يزيد عليه في ألوان الطعام، حتى جرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان، فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر، ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى؛ لتقوى النفس على التقوى، وإذا فرغت المعدة من طلوع الفجر، إلى غروب الشمس، حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها، ثم أُطعمت من اللذات وأشبعت، زادت لذتها وتضاعفت قوتها، وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها، فلهذا ترى من بعض الناس في رمضان زيادة في الشر، وبعدًا عن الخير، وتفننًا في أنواع المعاصي؛ لما يفعلونه في ليلهم من ملأ البطون، وتلبية دواعي الشهوات، فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل، وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم، فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلاً، لم ينتفع بصومه، بل إن من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش، ويستشعر ضعف القوى، فيصفو عند ذلك قلبه، وليبق لليله شيئًا من الضعف والجوع، حتى يخف عليه تهجده وأوراده، فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه فينظر إلى ملكوت السماء، ومن ملأ بطنه بأصواع من الطعام فهو عن ملكوت الله محجوب، وقد أوسع للشيطان مجراه، وفتح له الأبواب.
والمتأمل في عبادة الاعتكاف يجدها تعين الصائم على هذه الأمور كلها.
ثم بعد هذا التفريغ تكون الروح جاهزة لاستقبال ما يرد عليها من النور الإلهي، والفيض الرباني، فتشتاق بسببه إلى فعل الخيرات، وتنشغل به عن المحرمات.
فواأسفا على من يكون حظه من الصيام العطش والجوع!!