بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عَليكُم ورحمةُ الله تَعالى وبركاتهُ وفَضلهُ ومَغفرتهُ
إخوَتي في الله؛
\
/
\
مَقالٌ؛
يُشهِدُ التأريخَ،
وفي صَفحاتهِ يُوثّقُ!
؛
حَصادُ؛ الْ ( مِ ـجْزَرَةِ )!

،:,
،:,
لفَضيلَةِ الشّيخِ/ حامِد بِن عَبدالله العَليّ؛
يَحفظهُ اللهُ تَعالى.
،:,
مكننا القول إنَّ حدث المجزرة الصهيونية على قافلـة الحرية ، حدثٌ مفصلي ،
سيشكـّل بداية مرحلة تاريخية ، وجديدة في طبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني ،
ولا أدري هل الأتـراك قد خطّـطوا بعبقريتهـم لكـلّ هذه المكاسب الكبيرة؛
التي سنحصدها من الحادثـة -إن أحسنـّا توظيفهـا- أم أنهـا ثمـرات لم يتوقّعوهـا إلى هذا الحـدّ !
أسس السياسة التركية في مواجهة الصهاينة
من الواضح جدا أنّ الحزب الحاكم في تركيا ،
ورث تعقيدات عهد التطرف العلماني وعُقـد مستعصية من ( التورط القذر ) في المستنقع الصهيوغربي من عقـود طويلة .
غير أنه لايخـفى ما بين سياسة تركيا اليوم تجاه القضية الفلسطينية ،
وتلك العقود الأتاتوركية من البون الشـاسع ، والخـلاف الواسع ،
فنحن أمام روح جديـدة لاتخفى صـدق تعاطفـها ، وبصيرة جديـدة تتطلع إلى طور مختـلف .
ولهذا اعتمدت السياسة التركية في مواجهة الكيان الصهيوني على خمسـة أسس :
أحدها : وهو أهـم ناحيـة ، أخذ زمام المبادرة ؛
في إعـادة رسـم شكل الصراع مع الكيان الصهيوني ،
وتلوينه باللون الذي يجب أن يراه الناس عليه ، وتحـديد سقـفه ،
مـع الإلتفاف على المكر الصهيوني الذي كان ناجحاً؛
طيلة ما مضى من العقود في خلط الأوراق فـي هذا الصـراع .
فالصهاينة تلاعبـوا عبر عقـود الصـراع في القضية الفلسطينية؛
على مستوى المكر السياسي على ثلاثة محـاور :
1ـ العبث بالمصطلحات ، ولهذا جعـلوا:
( الأمن مقابل السلام) بدل ( الأرض مقابل السلام ) _
مع أن هذه أيضا خدعة وكذبة _
ثم رموا بما يسمى (عملية السلام) لعبـةً لإلهاء الطرف العربي وتشتيت قضية الصـراع ،
ليحصلوا في المقابـل على الأمن المطلق بلا مقابـل .
ثم انتقلوا من هذه الخدعة إلى جعل تحقيق الأمن بيد سلطة فلسطينية مزيّفـة ،
وانتزعوا هذه السلطة المزيـفة من خدعة السلام نفسـها ، فوظّفـوهـا تابعـةً للأمن الصهيوني ،
فحصلوا على الأمن بيـد فلسطينية تحرسهـم ، بينـما لا سلام للفلسطينين مطـلقاً ، بل إبادة مستمرة !
2ـ تغييـر معالم الصراع بحيث تضيع القضية الأم ، وتتحـور إلى قضايا ثانوية دائمـا ،
ولهذا نقلوا القضية الفسلطينية من قضية إسلامية ،
إلى عربية ، إلى فلسطينية ، إلى حصار غزة ، إلى معبر رفح ، إلى أنفاق غـزة ، إلى قافلة الحرية ،
لكي تُنسى القضيـة الأم ، وهي تحرير فلسطين ، وحتى إذا تحقق إنجازٌ مثل فتح معبـر رفح ،
يرى الناس أنهم قد حقّقـوا إنتصارا ، بينما هو وهـم بالنسبة للقضية العظمى !
3ـ الإستثمار في مخزون الخيانة الكبير !
في الأنظمة العربية كونها تحت عباءة الغـرب الحليف الإستراتيجي للصهاينة ،
ونقل الأنظمة العربية واحـداً تـلو الآخـر ،
من الخندق الفلسطيني إلى الخندق الصهيوني ، وهذا قـد نجحوا فيه نجـاحا باهـرا !
غيـر أنَّ هذه المحاور الخبيثة ، قـد بدأت تتهاوى أمام الدهاء التـركي ،
واستطاع الأتراك الذين ورثـوا الإمبراطورية التي حكمـت العالم خمسة قرون ،
أن يعبثوا بالمكـر الصهيونـي ، وأن يعيدوا تشكيل ورسم صورة الصراع ، كما ينبغي أن تكون .
ولهذا لاحظنا في خطاب أردوغـان التركيـز على القضيـة الأم عندمـا أعـاد وكــرَّر :
إننا سنقف مع حقوق الشعب الفلسطيني ولن نتخلـّى عنه ، ويعني :
فالقضية الأم ليست هي حادثة مجتزئة ، وإنمـا حقوق شعب بأكمـله.
وأننا سنرفع الحصار عن غــزّة ، مهما طال الأمـد ، ويعني :
فهذه القضية التي يريد الصهاينة أن يجعلوهـا ( حالة عادية ) ، سنحولها إلى جحيـم ضد سمعة الكيان الصهيوني .
الصهاينة وإبتـلاع الطعـم
ولهذا فيبدو من الواضح أنّ الصهاينة قـدْ ابتلعوا الطعم التركي ،
ومع شدّة حزننا على الدماء التي أريقـت في قافلـة الحريـّة ، غير أنّنـا أمّـة الجهاد ،
التي تعلم علم اليقيـن أنّ التضحيـات هي طريق النصر ،
وأنّ الدماء سقيـا شجرته ، ولهذا فإننـّا نقبـل فرحيـن بمـا سيتحقق من مكاسب سياسية هائلة ،
لعـلها سـتكون أعظـم مما لو وصلت قافلـة الحريـة إلى غــزة ،
الثانية من أسس السياسة التركيـة : إستراتيجية التعرية ،
وتقوم على الإستمرار في كشف حقيقة الكيان الصهيونية ، وتعريته أمام العالم ،
بإسـتثمـار حصاره لغـزة ، وكانت مجزرة قافلة الحرية ؛
هي التعرية الكاملة التي أسقطت آخـر ستـر مزيف يضعه هذا الكيـان على عورته.
الثالـث : إحراج النظام العربي الرسمي لاسيما النظام المصري ،
ودول الخليج الحليفة الخانعـة للغـرب ، لوضعـه أمام مسوؤليته المباشرة .
الرابـع : توريط الكيان الصهيوني ، بوضعـه في مواجهة العالم ، لحصار هذا الكيـان وعزلـه ،
بدل حصار غزة وعزلها ، وهاهو الكيان الصهيوني يتورّط في جريمة ( إرهاب دولة ) بكلّ المقاييس العالميـة ،
وفي حقّ مواطنين من دول متعددة ، وذلك بعد فضيحة إغتيال المبحوح التي عادت عليه بالسـوء .
الخامـس : تجاوز دوائـر السياسة الغربية ، إلى طلب الدعـم من المؤسسات الشعبية والحقوقية الغربية ،
وذلك لإحراج ساسة الغرب ، وفضحهم أمام شعوبهم ،
وحصرهم في زاوية تنتزع منهم قرارات ضد الكيان الصهيوني رغـما عنهم ،
وهذا من السياسة التركية ، هجوم على نقطة ضعف السياسة الغربية ، وإستثمارها بشكل مذهل .
ولاريب أنَّ هذه كلَّهـا ستكون مـن نتائجهـا كسـر الحصار عن غـزة بإذن الله تعالى ،
وهذا خيـر من وصول أسطول السفـن ، ولاغرابة فالدماء المخلصة لم تـزل تفتـح على أمـتنا غـيث النصـر .
ثمار الحريـة
ولاريب أنَّ الصهاينة لم يعتادوا التعامل مع هذا النوع من الحراك السياسي التركـي ،
فقد ترهلَّت قوى المكر اليهودي مع طول التعامل مع النظام العربي الرسمي؛
الذي إما أن يسهل شراؤه ، أو يسهل خداعه ، مع كونه أصلا نظاما قد نصـب ليكــون كذلك ؟!
غير أنَّ السياسة التركية هذه ، هي ثمـار الحرية التي عندما مُنحت للشعب التركي ،
جاءت بالحزب الحاكم الحالي الذي يُعبـِّر عن مزاج شعب مسلم يتعاطف بإنتمائه الحضاري الفطري مع القضية الفسلطينية .
فلنقس إذاً على هذا المثـال ، ما سيحدث في بلادنا العربية فيـما لو منحت الحرية أن تختـار حكّامها !
وكيف سيكون التغيير الهائل الذي سيأتي بـه هذا الإختيار على جميع قضايـانا ، نحو تحقيق أهـداف الأمـة ؟! ،
وهذا إنما يدل على أن من أعظم مصائب الأمة في هذا العصـر هو توريـث السلطة ،
وإلـغـاء دور الأمّـة ، و أنه مالم يتوقف هذا النزيف الدائم لطاقات الأمـة ، وقدراتها ،
وإمكاناتها فالنتيجـة هي الدمار الشامل ، لكل مقدساتنا .
الصمت العربي المخـزي
هذا .. ولم يعـد يخفى أن هذا الصمت العربي المخزي تجاه مجزرة قافلة الحرية ،
إنما هو نتيجة حتمية لكارثة توريث السلطة ، وحجب دور الأمة في تولي زمام القيادة ،
ومما يؤكّـد ما قلناه أنّ الحراك الوحيـد جاء من الكُويت ؛
بإنسحابها من مبادرة السلام العربية _ ونحن هنا إنـما نذكر واقعـا فحسـب ،
ولانُشيـد بنظام عربي فلا يزال أمام الأنظمة العربية مراحل تنقطع فيها أكباد الإبل قبل أن تستحـق الإشادة ! _
وذلك بسبب ضغط نواب منتخبين على حكومـة خاضعـة لرقابة علنيـة ، وهي حالة سياسية إيجابيـة
_ وإن كانت محدودة للغاية _ غير أنها نادرة في الوطن العربي ،
فكيف لو جاءت الحرية الحقيقيـّة التي ينشدها النظام السياسي الإسلامي .
أما سماح النظام المصري بعبور المساعدات الإنسانية من معبـر رفح ،
بعد مجزرة قافلة الحريـة ، فهو إضافة إلى كونه من ثمار قافلة الحرية ،
ما هو إلاّ فضيحة جديدة تضاف إلى سلسلة فضائحه ،
لأنه أولا ينادي على نفسه بأنه السبب فيما جرى من كارثة ، وثانيا هو مازال يدعي
_ والواقع يكذّب ذلك _ انه يسمح بالمساعدات الإنسانية ،
فكأنه يكذب نفسه اليوم عندما يعلن أنه سيسمح بهـا بعـد المجزرة !!
هل سيتآمـر النظام العربي علـى تركيـا
ولهذا فإنه لو توقـَّع محلّـل أن ما يشـغـل النظام العربي الآن ،
أعنـي الذي يدعي الإعـتدال ، هــو كيـف يتآمر مع الصهاينة على الحزب الحاكم في تركيا ،
ليسقطه ، ويرتاح مما يسببه له هذا الحـزب من إحراج ، لكان تحليلا قريبـا من الواقع ،
ولولا الإزعاج الإيراني للمنطقة لكان النظام العربي قـد قطع شوطا في هذه المؤامرة ،
أليس هو المتولـّد من التآمر على الخلافة العثمانيـة و(الخروج على ولي الأمر ) العثماني !!
للمُتابعَةِ؛
- حَفِظَ الرّحمنُ؛ إخوَتي -
. لُطفاً؛ اضغَط عَلى رابِطَ الذّكرِ:
... لا إله؛ إلاّ الله ...
ــــــــــــــ
واللهُ تَعالى؛ أعلى وأعلمُ.
نَفعَ سُبحانهُ؛ بما جاءَ.
غُفرانك؛ ربّنا.
ربِّ؛ ألهِمني رُشدي، وأعِذني من شرّ نَفسي.