... لنترك الإمام ابن حزم الأندلسي وقد عاصر هذا العهد ورأى ما كان عليه ملوك الطوائف فكتب بقلمه اللاذع يقول :
" والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه " ..
وما أشبه اليوم بالبارحة ؛ فقد أضحت دولة الإسلام الواحدة ـ في الوقت الحاضر ـ سبعاً وثمانين دولة ما بين ملكية وجمهورية وإمارة ومشيخة ومستعمرة ، يحتاج من يريد زيـارتها ـ إن استطاع وسُمِحَ له ـ إلى عشرات من تأشيرات الدخول ومئات العراقيل وآلاف العقبات ، وأصبح المسلم في دار الإسلام غريباً ..!!!
بينما كان المسلمون في أيام عزهم ، ينتقلون لطلب العلم والرزق من تركستان الشرقية ( إقليم سيكيانج الصيني ، أنظر نهاية الملحق الرابع ) شرقاً إلى الأندلس غرباً ، إلى سيبيريا شمالاً ، إلى المحيط جنوباً ، بدون جوازات سفر ، ولا تأشيرات دخول وبغير حدود ولا سدود ..!!!
· دولة المرابطين في الأندلس (484 ـ 540 هـ ) ..
تأسست دولة المرابطين في المغرب الأقصى ( موريتانيا ) سنة 453 هـ بزعامة يوسف بن تاشفين اللمتوني [3] ( نسبة إلى قبيلة لمتونة البربرية ) وكان رجالها يشدون اللثام ( النقاب ) على وجوههم فعرفوا بالملثمين .
وفي عام 477هـ استولى ألفونسو السادس ملك ( قشتالة ) على طليطلة واستخلصها من بني ذي النون ( أنظر جدول رقم 3 السابق ) ، وعقد حلفا مع ملوك الأقاليم المسيحية للاستيلاء على إشبيلية ، فاستنجد أميرها المعتمد بن عباد ، بيوسف بن تاشفين الذي اجتاز البحر إلى الأندلس على رأس جيوش من البربر وتمكن من هزيمة الملك الإسباني في موقعة شهيرة جرت في سهل " الزلاقة " في يوم 12 رجب سنة 479 هـ . وبعد هذه الموقعة أخذ المرابطون يستولون على دول الطوائف واحدة بعد أخرى وينفون ملوكها إلى المغرب الأقصى وأقاموا في الأندلس دولة للمرابطين عاصمتها قرطبة .
وبعد وفاة يوسف بن تاشفين سنة ( 500 هـ ) خلفه ملوك من أبنائه فيهم المنصرف إلى لهوه وفيهم الفتى الماجن وفيهم الحدث القاصر ، ولم يخل الأمر من نزاع بينهم فأخذت الدولة في الانهيار وطمع بها الموحدون فاستولوا عليها سنة 541 هـ في عهد آخر ملوكها إسحاق بن علي بن تاشفين حفيد يوسف بن تاشفين .
· دولة الموحدين في الأندلس ( 541 ـ 633 هـ ) ..
تنسب دولة الموحدين إلى " محمد بن تومرت " ، من قبيلة ( زناتة البربرية ) وموطنها في الجنوب الشرقي من المغرب الأقصى . ادعى ابن تومرت المهدية ودعا إلى مذهب التوحيد فعرف أصحابه بالموحدين [4] وتلقب بالمهدي . ولما توفي سنة 524 هـ خلفه في دعوته تلميذه المقرب إليه عبد المؤمن بن علي ، فأخذ يغير على المرابطين وتمكن في عام 541 هـ من الاستيلاء على مدينة" مراكش " وأزال دولة المرابطين في المغرب الأقصى وأقام دولة الموحدين .
اشتدت قوة الموحدين في عهد ابنه أبي يعقوب يوسف الأول . ففي عام 567 هـ اجتاز البحر إلى الأندلس وأخضع بها من ظل مواليا للمرابطين . ولما توفي سنة 580 هـ خلفه ابنه أبو يوسف يعقوب ( المنصور ) وفي عهده بلغت دولة الموحدين أوجها في العز والمنعة ، فقد اجتاز البحر إلى الأندلس عدة مرات صد فيها عدوان الإسبان وكان آخرها عام 591 هـ في الوقعة التي هزم فيها ألفونسو الثامن هزيمة منكرة وعرفت بموقعة " الأرك " وأحيا فيها ذكرى موقعة الزلاقة التي جرت من قبل عام 479 هـ .
ولما توفي أبو يوسف يعقوب ( المنصور ) سنة 595 هـ خلفه ابنه الناصر لدين الله محمد وفي عهده أخذت دولة الموحدين في الانهيار ، فقد اشتبك مع الإسبان في معارك هزم فيها وكان أشدها وقعا تلك التي جرت سنة 609 هـ ( 1213م ) والتي عرفت بموقعة " العقاب " .
· دولة بني الأحمر ( 636 ـ 897 هـ ) ..
عقب الانهيار المروع لدولة الموحدين بالأندلس في موقعة العقاب أخذ الصليبيون في الاستيلاء على قواعد الأندلس الكبيرة ومدنها العريقة الواحدة تلو الأخرى : إشبيليه سنة 646هـ / بطليوس 626هـ / بلنسية 636هـ / بياسة 625هـ / جيان 644هـ / قلعة جابر 645هـ / شاطبة 647هـ / قرطبة 633هـ / قرطاجنة 640هـ / مرسية 641هـ / ميورقة 630هـ ، وفقدت دولة الإسلام بالأندلس معظم قواعدها التالدة في نحو ثلاثين عاماً فقط .. في وابل مروع من الفتن والملاحم .
بعد هذا الانفراط المروع لعقد الدولة انحازت دولة الإسلام في الأندلس إلى الجنوب وتحديداً في مملكة غرناطة وفكر عدد من زعماء المسلمين في كيفية تثبيت الوجود الإسلامي بالأندلس والمنحصر في مملكة غرناطة وبالفعل نجحوا في ذلك واستمرت مملكة غرناطة قائمة لأكثر من قرنين ( 636 ـ 897 هـ ) .. متحدية الضغوط الأسبانية المتعاقبة ويرجع صمود هذه المملكة لهذه الفترة الطويلة من الزمانلعدة عوامل منها:
1- وجود قيادة قوية ومحكمة من ملوك بني الأحمر وكان أولهم محمد بن يوسف النصري المعروف بابن الأحمر ويرجع أصله إلى الأنصار وبالتحديد سعد بن عبادة رضي الله عنه وكان محمد بن يوسف أول من أنشأ دولة غرناطة وقد استمر الملك في سلالة بني الأحمر حتى سقوط غرناطة وكان الرعيل الأول منهم على مستوى المسئولية ووصلت لأوج قوتها حتى عهد محمد الخامس سنة 763هـ ( 1362م ) وبعد موتـه لم يكن خلفاؤه على نفس المستوى فبدأت المملكة في الاندحار .
2- التجاء كثير من المسلمين في الأندلس إلى مملكة غرناطة والتي كانت تمثل دار الإسلام وقتها بعد أن سقطت مدنهم الأصلية في يد الصليبيين وقد انحاز هؤلاء لغرناطة وهم موتورون حانقون على الصليبيين وكان منهم العلماء والأدباء والصناع والزراع وأرباب المهن والحرف فعمرت بهم غرناطة عمراناً حافلاً فلم يبق شبر من أرضها إلا استغل أحسن استغلال حتى وصل عدد المسلمين بتلك المملكة حوالي ستة ملايين مسلم وهو عدد ضخم بالقياس لهذه الفترة .
3- مساعدة ملوك دول المغرب العربي لإخوانهم الأندلسيين وخاصة ملوك الحفصيين وملوك بني مرين وكلاهما قد قاما بوراثة دولة الموحدين وكان ملوك بني مرين خصوصاً يكثرون من إرسال المساعدات الحربية والجيوش لنصرة مسلمي الأندلس كلما ضغط الصليبيون على غرناطة .
4- حالة الصراعات الداخلية والتفكك الذي ساد ممالك أسبانيا النصرانية في هذه الفترة من الزمان حيث سادت الانقسامات داخل مملكة قشتالة أكبر ممالك أسبانيا النصرانية ودخلت في صراعات دموية مع مملكة ليون وأراجون ، وهذه الصراعات قد ساعدت مملكة غرناطة على تثبيت أركانها وتقوية قواعدها والتفرغ للعمران والبناء وربما التوسع في بعض الأحيان .
استمر وضع مملكة غرناطة ثابتاً ومستقراً لفترة طويلة حتى بدأت أسباب القوة والاستمرار التي ساعدت على قيام المملكة وقوتها في الزوال شيئاً فشيئاً فترك ملوك بني مرين المغاربة نصرة مسلمي الأندلس لانشغالهم بالحروب الداخلية مع الخارجين عليهم بالمغرب .
· سقوط الأندلس ( 1492 م ) ..
بدأ الصليبيون في توحيد رايتهم واجتمعت مملكة ليون وقشتالة تحت راية واحدة بعد أن تزوج فرديناند ملك ليون وأراجون ، إيزابيلا ملكة قشتالة .. وأعلنوا قيام تحالف قوي ضد المسلمينوفي نفس الفترة لم يكن ملوك بني الأحمر على مستوى خطورة المرحلة فانشغلوا بالصراعات الداخلية على الملك حتى أن معظمهم قد قتل في الصراع على الملك والأدهى من ذلك أن الترف واللين والتنعم قد استشرى في الشعب الغرناطي وتفرغوا لسفاسف الأمور وانتشر الفسق مرة أخرى .. وكان كل هذا ينذر بقرب السقوط ..!!!
وفى عام ( 892 هـ ) تولى الحكم : أبو عبد الله محمد بن نصر أخر ملوك المسلمين فى الأندلس ، ويرجع بعض المؤرخين من عوامل سقوط الأندلس إلى خيانة هذا الحاكم الذى باع كل المثل من أجل أطماع شخصية فحارب أباه من أجل الملك لأنه أحس أن الأب يؤثر أخاه محمد بن سعد ( المعروف بالزغل ) عليه ، وبينما اتحد النصارى الإسبان حدثت الخلافات والانشقاقات بين الأخوين . ولما تولى محمد بن سعد الحكم قام أخوه أبو عبد الله بالتعاون مع الحاكم الصليبى فردينانز لإسقاطه حتى تم النصر للنصارى الإسبان على أخيه !
ثم توجهوا إليه ـ بعد ذلك ـ وسلبوا منه ملكه الذى ضيعه بخيانته!
وسقطت غرناطة في 21محرم سنة 897 هـ ( 1492م ) كآخر معقل للإسلام في الأندلس . وعقد آخر ملوك غرناطة أبو عبد الله محمد بن نصر معاهدة التسليم مع الصليبيين وهي مكونة من سبعة وستين شرطاً منها تأمين المسلمين على دينهم وأموالهم وعقيدتهم وحرياتهم ، ولم يتم تنفيذ شيء من هذه المعاهدة !
وكان آخر العهد بأبي عبد الله أن وقف بسفح جبل الريحان حيث سلم فرديناند وإيزابيلا مفاتيح المدينة وهو يبكي على ملكه الضائع ..!! هنا قالت له أمه عائشة الحرة المقولة الشهيرة :
" إبك مثل ....... ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال ".
وغداة سقوط الأندلس بدأت شواطئ المغرب العربي تتعرض لإعتداءات الإسبان والبرتغاليين بدافع الثأر من المسلمين الذين أناروا للغرب المسيحي ـ الهمج ـ الطريق بحضارة الإسلام العظيمة في الأندلس . وأثناء هذه الحملات الصليبية التي كان يتعرض لها المغرب العربي على مدى مئات السنين ، كانت الخلافة العثمانية في إسطنبول ( دار السلام ) في أوج قوتها ، وشرعت في توسيع رقعتها باتجاه الأقاليم العربية والإسلامية ، واستغاث حينها ولاة المغرب العربي بالخلافة العثمانية التي أمرت أسطولها البحري في البحر الأبيض المتوسط بالتوجه إلى السواحل المغربية وتوفير الحماية للمسلين في هذه المنطقة . وبموجب هذا أصبحت دول المغرب العربي فعليّا تحت الوصاية العثمانية وذلك بدءا من عام 1515 ميلادي وإلى غاية 1830م ، تاريخ احتلال فرنسا للجزائر وبقية الدول المغاربية في وقت لاحق .
· محاكم التفتيش .. وإبادة شعوب العالم الإسلامي ..
في الواقع ؛ تمثل محاكم التفتيش أحد أسوأ فصول التاريخ الغربي دموية تجاه المسلمين ولذلك كان من الطبيعي ألا يتوقف المؤرخون والمستشرقون الغربيون عندها إلا نادراً في محاولة منهم لتجاوز وقائعها السوداء ، بل نجدهم في حالات أخرى كثيرة يحاولون وضع التبريرات لها بادعاء أنها كانت أخطاء غير مقصودة ارتكبها القساوسة في محاولتهم للحفاظ على المسيحية بعد خروج المسلمين من الأندلس!
فعلى سبيل المثال ؛ نجد المستشرق البريطاني ( وول سميث ) [5]
يعلن أن الكنيسة ليست مسؤولة مباشرة عن الجرائم التي ارتكبت عبر محاكم التفتيش ، ولكن كان على رجال الدين المسيحي في إسبانيا أن يخوضوا معركة ضد الوجود الإسلامي بعد خروج العرب من أسبانيا فاضطروا إلى محاكم التفتيش التي تمادى القائمون عليها في تصرفاتهم فيما بعد . وهكذا عند ( سميث ) وغيره من المؤرخين والمستشرقين النصارى تتحول محاكم التفتيش إلى ( خطأ ) غير مقصود له تبريراته ، بل يصير الإسلام عندهم هو المسؤول عن تلك المحـاكم ؛ لأنـه دفع بالمسيحيين إلى استنباط محاكم التفتيش ليصدوا تمدده في الغرب ..!!!
وهو نفس المنطق الإرهابي الذي استند إليه الرجل الغربي عند قيامه بإبادة الهندي الأمريكي ، حيث يجذب السياق نفسه " فرانسيس ياركين " أشهر مؤرخ أمريكي في عصره فيقول : ( أن الهندى الأمريكي نفسه ـ في الواقع ـ هو المسئول عن الدمار الذى لحق به لأنه لم يتعلم الحضارة .. وكان لابد له من الزوال .. والأمر يستحق ) .
ولنا وقفة هنا ؛ فكما نرى أن " الدارونية الاجتماعية " ( أي البقاء للأقوى ) هي الفكر السائد في الغرب المسيحي ، ولا يصح لنا الاعتماد على الجانب الأخلاقي لديهم في الإبقاء علينا دون إبادتنا ..!!! وذلك لسبب بسيط جدا هو : أن الشعيرة الأساسية في ديانتهم تقضي بإبادتنا ، على النحو الذي رأيناه في الدراسة السابقة : " إبادة شعوب العالم الإسلامي ومحو الإسلام من الوجود : الشعيرة الأساسية في الديانتين المسيحية واليهودية " . هذا إلى جانب كون كتابهم المقدس يموج بالإرهاب الدموي لكل من يخالف عقيدتهم .. على النحو الذي بيناه في الكتابات السابقة .
ولهذا فإبادتنا حتمية ( وأكرر : حتمية ) إذا لم نتدارك موقفنا في الوقت الحاضر .. هذا إن لم يكن الوقت قد فات بالفعل !
وقد بدأت محاكم التفتيش مباشرة عقب سقوط مدينة غرناطة ـ آخر مدينة إسلامية ـ بيد الأسبان . فقد كانت غرناطة ـ أجمل مدن جنوب إسبانيا ـ عاصمة بني زيري من ملوك الطوائف ، ثم عاصمة بني الأحمر . فقبل سقوط غرناطة استطاع الأسبان حصارها ، وأرسل فرديناند ملك إسبانيا رسله إلى قادة غرناطة المسلمة يطلب منهم الاستسلام فرفضوا ، فنزل جيش إسباني مكوَّن من ( 25 ) ألف جندي ،
واتجهوا صوب المزارع والحدائق وخرّبوها عن آخرها ؛ حتى لا يجد المسلمون ما يأكلونه أو يقتاتون عليه ، ثم جهزت ملكة إسبانيا جيشاً آخر من ( 500 ) ألف مقاتل لقتال المسلمين في القلاع والحصون الباقية .
وبعد قتال طويل اجتمع العلماء والفقهاء في قصر الحمراء واتفقوا على الاستسلام ، واختاروا الوزير أبا القاسم عبد الملك لمفاوضة ملك أسبانيا فرديناند .
· معاهدة التسليم ..
انتهى الوزير أبو القاسم ؛ إلى إبرام معاهدة تنص على أن يسلم حكام غرناطة المدينة للأسبان لقاء ضمان خروج الحكام بأموالهم إلى إفريقيا ، كما تضمنت المعاهدة ثمانية وستين بنداً منها :
- تأمين الصغير والكبير على النفس والمال والأهل .
وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم وعقارهم .
وأن تبقى لهم شريعتهم يتقاضون فيها .
وأن تبقى لهم مساجدهم وأوقافهم .
وألا يدخل الكاثوليك دار مسلم ، وألا يغصبوا أحداً ، وألا يولى على المسلمين إلا مسلم ، وأن يُطلق سراح جميع الأسرى المسلمين ، وألا يؤخذ أحد بذنب غيره ؛ وألا يُرغم من أسلم من الكاثوليك على العودة إلى دينه ، وألا يعاقب أحد على ما وقع ضد الكاثوليكية في زمن الحرب وألا يدخل الجنود الأسبان إلى المساجد .
ولا يلزم المسلم بوضع علامة مميزة ، ولا يمنع مؤذن ولا مصل ولا صائم من أمور دينه .. وقد وقع على المعاهدة الملك الإسباني وبابا روما إينوسنت الثامن ( 1484-1492م ) ، وأعقبه ألكسندر السادس ( 1492-1503م ) ، وكان التوقيعان كافيين لكي تكون المعاهدة ضمانة للمسلمين في إسبانيا ( ولكن متى كان للمسيحيون أو اليهود وعدا ..!!! ) ، وبناء على هذه المعاهدة خرج أبوعبد الله ابن أبي الحسن ملك غرناطة صباح يوم ( 2/ 1 / 1492م ) ، من قصر الحمراء وهو يبكي كالنساء حاملاً مفاتيح مدينته وملكه الزائل فاعطاها للملكة ايزابيلا وزوجها فرديناند لتقول له أمه عائشة الحرة المقولة الشهيرة :
" إبك مثل .... ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال " !
· نقض المعاهدة ..
وفور دخول الإسبان إلى غرناطة نقضوا المعاهدة التي أبرموها مع حكامها المسلمين ؛ إذ كان أول عمل قام به الكاردينال مندوسي عند دخول الحمراء هو تنصيب الصليب فوق أعلى أبراجها ، وترتيل صلاة الحمد الكاثوليكية ، وبعد أيام عدة أرسل أسقف غرناطة رسالة عاجلة للملك الإسباني يعلمه فيها أنه قد أخذ على عاتقه حمل المسلمين في غرناطة وغيرها من مدن إسبانيا على أن يصبحوا كاثوليكاً ؛ وذلك تنفيذاً لرغبة السيد المسيح ـ عليه السلام ـ الذي ظهر له وأمره بذلك كما ادَّعى ، فأقره الملك على أن يفعل ما يشاء لتنفيذ رغبة السيد المسيح عليه السلام ، عندها بادر الأسقف إلى احتلال المساجد ومصادرة أوقافها ، وأمر بتحويل المسجد الجامع في غرناطة إلى كنيسة ، فثار المسلمون هناك دفاعاً عن مساجدهم ، لكن ثورتهم قمعت بوحشية مطلقة ، وتم إعدام مئتين من العلماء المسلمين حرقاً في الساحة الرئيسة بتهمة مقاومة المسيحية .
· إبادة المسلمين .. ومحو الإسلام من الأندلس ..
ظهرت محاكم التفتيش تبحث عن كل مسلم لتحاكمه على عدم تنصره أو تحرقه إذا رفض التنصير ..!!! ( وأرجو مقارنة هذا مع تعاليم الإسلام العظيم والتسامح الديني الذي تفرضه تعاليم هذا الدين العظيم ) . هام المسلمون على وجوههم في الجبال ، وأصدرت محاكم التفتيش الإسبانية تعليماتها للكاردينال ( سيسزوس ) لتنصير بقية المسلمين في أسبانيا ، والعمل السريع على إجبارهم على أن يكونوا نصارى ، وأحرقت المصاحف ، وكتب التفسير ، والحديث ، والفقه ، والعقيدة ، وكانت محاكم تفتيش ـ مسيحية المحبة ..!!! ـ تصدر أحكاماً بحرق المسلمين على أعواد الحطب وهم أحياء في ساحات مدينة غرناطة أمام الناس!!
وبكل أسف ؛ لم يكن هذا بمستغرب ـ مع هؤلاء المعاتيه أصحاب الديانات الوثنية ـ فالحق ـ تبارك وتعالى ـ ينبه المسلمين إلى كل هذا في كتابه العزيز ( أعيد كتابتها للتنبيه ) .. بقوله تعالى :
) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (9) لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12) (
(التوبة {9} : 8 - 12 )
[ التفسير : سبق تفسير هذه الآيات الكريمة في أول المقالة ]
ثم صدر مرسوم بتحويل جميع المساجد إلى كنائس ، وفي يوم ( 12 /10 / 1501م ) ، صدر مرسوم آخر بإحراق جميع الكتب الإسلامية والعربية ، فأحرقت آلاف الكتب في ساحة الرملة بغرناطة ، ثم تتابع حرق الكتب في جميع المدن والقرى ..!!! ثم جاءت الخطوة التالية ، عندما أعلن الكاردينال ( خيمينيث ) أن المعاهدة التي تم توقيعها مع حكام غرناطة لم تعد صالحة أو موجودة ، وأعطى أوامره بتنصير جميع المسلمين في غرناطة دون الأخذ برأيهم ، أو حتى تتاح لهم فرصة التعرف على الدين الجديد الذي يساقون إليه ، ومن يرفض منهم عليه أن يختار أحد أمرين :
- إما أن يغادر غرناطة إلى أفريقيا دون أن يحمل معه أي شيء من أمواله ، ودون راحلة يركبها هو أو أحد أفراد أسرته من النساء والأطفال ، بعد أن يشهد مصادرة أمواله .
وإما أن يُعدم علناً في ساحات غرناطة باعتباره رافضاً للنصرانية . كان من الطبيعي أن يختار عدد كبير من أهالي غرناطة الهجرة بدينهم وعقائدهم ، فخرج قسم منهم تاركين أموالهم سيراً على الأقدام ، غير عابئين بمشاق الطرقات ، ومجاهل وأخطار السفر إلى أفريقيا من دون مال أو راحلة ، وبعد خروجهم من غرناطة كانت تنتظرهم عصابات الرعاع الإسبانية والجنود الأسبان ،
فهاجموهم وقتلوا معظمهم .
وأن من نجوا بحياتهم كانت خاتمتهم أنهم أصبحوا عبيداً في السفن!
وكان الذين ينتظرون الصعود إلى السفينة جوعى يجبرون على بيع أطفالهم مقابل الحصول على الخبز ، حيث كانت السياسة الرسمية للكنيسة هي فصل الأطفال المسلمين عن والديهم ، وبيعهم للأديرة لخدمة الرهبان والأسافقة فيها!
وأقر علماء اللاهوت في الوثيقة الموقعة في تموز/ يوليو عام 1610 ، بأن الرق لم يبرر أخلاقياً فحسب ، بل هو مجدٍ من الناحية الروحية . فبفصل الأطفال المسلمين عن آبائهم .. وبعد إدخالهم في المسيحية .. يصبح من غير المحتمل أن يرتدوا عنها . كما وأن العبيد نادراً ما يتزوجون ، فيصبح هذا منهاجا آخر للتخلص من " العرق المسلم الشرير " في إسبانيا ..!!! وهو العرق الذي حمل شعلة النور والهداية على مدار ثمانية قرون لهؤلاء الهمج .. في الفترة التي كانت فيها أوربا ترزخ تحت نير عصور الظلام ..!!! ولم يضيع نور الإسلام ـ بكل أسف ـ إلا الحكام المسلمين الذين لا يستحقون إلا الوضع تحت الأحذية .. على مدار التاريخ ..!!!
وعندما سمع الآخرون في غرناطة عما نال إخوانهم .. آثروا البقاء بعد أن أدركوا أن خروجهم من إسبانيا يعني قتلهم ، وبالتالي سيقوا في قوافل للتنصير والتعميد كرهاً ، ومن كان يكتشفه الأسبان أنه قد تهرب من التعميد تتم مصادرة أمواله وإعدامه علناً ، وقد فرَّ عدد كبير من المسلمين الذين رفضوا التعميد إلى الجبال المحيطة في غرناطة محتمين في مغاورها وشعابها الوعرة ، وأقاموا فيها لفترات ، وأنشأوا قرى عربية مسلمة ، لكن الملك الإسباني بنفسه كان يشرف على الحملات العسكرية الكبيرة التي كان يوجهها إلى الجبال ، حيث كانت تلك القرى تهدم ويُساق أهلها إلى الحرق أو التمثيل بهم وهم أحيـاء في الساحات العامـة في غرناطة ..!!!
ومن أشهر مفتشي محاكم التفتيش فى أسبانيا كان " توماس الطرقماوى " ، الذى استمر فى منصبه لمدة خمسة عشر عاما ، وكان له ( 114.000 ) ضحية تم إحراق ( 10.220 ) منهم ..!!! وهكذا ؛ استمرت هذه الحملة الظالمة على المسلمين حتى سنة : 1577م ـ على حد زعم المؤرخين ـ بينما حقيقة الأمر انها امتدت بعد هذا التاريخ بكثير .. وراح ضحيتها حسب بعض المؤرخين الغربيين ملايين المسلمين .. فيروي مؤرخ محاكم التفتيش [6] : " ليكي "..
[ .. في السادس عشر من شهر فبراير من عام 1568 أصدر الديوان المقدس ـ للكنيسة الرومانية الكاثوليكية ـ قرارا بإدانة جميع سكان الأراضي الواطئة ( الأندلس ) والحكم عليهم بالإعدام متهمين بالهرطقة ( أي مخالفة الدين المسيحي ) واستثنى القرار بضعة أفراد نص القرار على أسمائهم ..!!! وبعد عشرة أيام أعلن الملك " فيليب الثاني : Philip II " ملك أسبانيا ( الذي تربي تربية دينية صارمة على يد رجال الدين الكاثوليك .. وابن الإمبراطور الروماني المقدس :
شارلز الخامس : Charles V ) صحة القرار وأمر بتنفيذه في الحال .
فسيق إلى المقصلة ملايين من الرجال والنساء والأطفال .. ]
وفي غضون عدة أعوام .. اندثر من على وجه البسيطة شعب الأندلس المسلم تماما .. ثمانية ملايين مسلم ( وفي مصادر أخرى أكثر من ستة ملايين مسلم )،
أبيدوا بالكامل ـ في غضون أعوام قليلة ـ لم يبق منهم مسلم واحد كما لم يبق منهم ناطق واحـد باللغة العربية .. بعد حضارة أضاءت لأوربا الطريق على مدى ثمانمائة عام ..!!! كما تم تدمير المساجد بطريقة وحشية ولم يبق منها إلا ما كان يصلح لأن يحول إلى كنيسة ..!!!
بل ولم يتوقف مطاردة رجال الكنيسة للمسلمين بالشبهة .. والقيام بتعذيبهم وإبادتهم .. فعندما غزا نابليون أسبانيا عام 1808 ، اعتصم القساوسة الدومينيكان [7] بديرهم فى مدريد وعندما إقتحمه نابليون عنوة أنكر الدومينيكان وجود أى حجرات للتعذيب ، ولكن عند البحث والتنقيب وجدها جنود نابليون تحت الأرض مليئة بالمساجين المسلمين وكلهم عرايا وكثير منهم معتوه من فرط التعذيب ..!!! ورغم أن القوات الفرنسية لم تكن تتميز برقة الشعور إلا أن هذا المنظر قد أثار شعور جنودها ، فأخرجوا المساجين وفجروا الدير بأكمله .
فهذه هي مسيحية المحبة كما يدعي أصحابها ..!
وقد وجد الجنود ـ في هذا الدير ـ صنوفا من آلات التعذيب ،
مما لا يخطر على فكر الشياطين وليس البشر ..!!!
لقد استمر حكم المسلمين للأندلس حوالي ( 800 عام ) من دون انقطاع ، وكان التسامح الديني هو سمة الحكم الإسلامي . وكان مقدرا أن يقود المسلمون هذا العالم الوثني نحو السعادة المنشودة ، لولا افتتان الأنظمة الحاكمة بالدنيا ونعيمها الزائل ، وتحالفهم مع الأعداء وموالاتهم ضد إخوانهم المسلمين والثقة في الواشين ، وتقريب الأعداء ، والاستعانة بهم في القضاء على إخوانهم في الدين كل هذه الأسباب عجَّلت بانهيار الدولة الإسلامية في الأندلس ، وأضاعت هذ الأنظمة أرضاً إسلامية فتحت من قبل على جثث وجماجم المقاتلين الشهداء من المسلمين العظام الذين أرادوا إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، دون ملل أو كلل ، حتى سطع نور الإسلام ثمانية قرون على هذه الأرض .. لتنتهي على أيدي هؤلاء الحكام القراصنة الكلاب ـ طلاب المتعة والسلطة بأي ثمن ـ إلى لا شيء!
وما أشبه اليوم بالبارحة ؛ فإذا كان يمكننا القول بأن قراصنة أو حكام الأمس كانوا جهلة .. وتنقصهم الرؤية الشاملة ؛ فإن قراصنة اليوم ، يسعون ـ عن علم ـ
إلى الدنيا ونعيمها الزائل يريدون الاحتفاظ به بأي ثمن ..
حتى وإن كان هذا الثمن هو إبادة المسلمين .. ومحو الإسلام من الوجود!
وربما كان هذا هو تحالف الشيطان معهم لهذا الغرض ..!!!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..
انتَهى.
واللهُ تَعالى؛ أعلى وأعلمُ.
وكَتَب الأستاذ/ د. مُهندس ؛
مُحمّد الحُسينيّ إسماعيلُ؛
أحسَن الرّحمنُ إليه وثبّتهُ، وسائرَ إخوَتي.
:
حيث كانت تلك القرى تهدم ويُساق أهلها إلى الحرق أوالتمثيل بهم وهم أحيـاء في الساحات العامـة في غرناطة ..!!!