بِسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عَليكُم ورحمةُ الله تَعالى وبركاتهُ وفَضلهُ ومَغفرتهُ
إخوتي في الله؛
\
/
\
مادّةٌ؛
نَفعَ بها - بمنّهِ - ربّنا عزّ جلّ.
:
( الزّواجُ )؛ تاجُ الفَضيلَةِ!
... ***** ...
لفَضيلةِِ الشّيخِ/بَكرِ بِن عَبداللهِ أبو زَيْدٍ؛
يَرحَمُهُ اللهُ تَعالى.
،
الزواج سنّة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى:
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً } [الرّعد: 38].
وهو سبيل المؤمنين، استجابة لأمر الله سبحانه:
{ وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ
إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } [النّور:32-33].
فهذا أمرٌ من الله عز شأنه للأولياء بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامي
-جمع أيّم: وهم من لا أزواج لهم من رِجال ونِساء-،
وهو من باب أولى أمر لهم بإنكاح أنفسهم طلباً للعفة والصيانة من الفاحشة.
واستجابة لأمر رسول الله فيما رواه ابن مسعود أن رسول الله قال:
« يا معشر الشّباب، من استطاع منكُم الباءة فليتزوّج، فإنه أغضّ للبَصر، وأحصنُ للفَرج،
ومن لم يَستطع فعليه بالصّوم، فإنه له وجاء » مُتفق على صحته.
والزّواج تلبية لما في النّوعين: الرّجل والمرأة من غريزة النّكاح ؛ بطريق نظيف مثمر.
ولهذه المعاني وغيرها لا يختلف المُسلمون في مَشروعية الزّواج،
وأن الأصل فيه الوُجوب لمن خافَ على نفسه العَنت والوُقوع في الفاحشة،
لا سيما مع رقّة الدّين، وكثرة لمغريات، إذ العبد مُلزم بإعفاف نفسه، وصَرفها عن الحَرام، وطريق ذلك: الزّواج.
ولذا استحبَّ العلماء للمُتزوّج أن يَنوي بَزواجه إصابة السّنة، وصِيانة دينهِ وعِرضه،
ولهذا نهى الله سبحانه عن العَضْلِ، وهو: منع المرأة من الزّواج،
قال الله تعالى: { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } [البقرة: 232].
ولهذا أيضاً عظَّم الله سبحانه شأن الزّواج، وسَمَّى عُقده: { مِّيثَاقاً غَلِيظاً } ؛
في قوله تعالى: { وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } [النساء: 21].
وانظر إلى نضارة هذه التّسمية لعقد النّكاح، كَيف تأخذ بمجامع الْ قُلوبِ، وتحيطه بالحُرمة والرّعاية،
فهل يبتعد المسلمون عن اللّقب الكنسيّ (العقد المقدّس) ؛
الوافد إلى كثير من بلاد المسلمين في غَمرة اتّباع سَنَن الذين كفروا ؟!
فالزّواج صِلة شَرعيّة تُبْرم بعقد بين الرجل والمرأة بشروطه وأركانه المعتبرة شرعاً.
ولأهميته قَدَّمه أكثر المحدِّثين والفقهاء على الجهاد، ولأن الجهاد لا يكون إلا بالرجال،
ولا طريق له إلا بالزواج، وهو يمثل مقاماً أعلى في إقامة الحياة واستقامتها،
لما ينطوي عليه من المصالح العظيمة، والحكم الكثيرة، والمقاصد الشريفة، منها:
1 ـ حفظ النسل وتوالد النوع الإنساني جيلاً بعد جيل، لتكوين المجتمع البشري،
لإقامة الشريعة وإعلاء الدين، وعمارة الكون، وإصلاح الأرض، قال الله تعالى:
{ يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً } الآية [النساء:1] ،
وقال الله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } [الفرقان:54].
أي: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الآدمي من ماء مهين،
ثم نشر منه ذرية كثيرة وجعلهم أنساباً وأصهاراً متفرقين ومجتمعين،
والمادة كلها من ذلك الماء المهين، فسبحان الله القادر البصير.
ولذا حثَّ النبي على تكثير الزواج، فعن أنس أن رسول الله قال:
« تزوّجوا الوَلود الوَدود، فإنّي مُكاثر بكُم الأمم يَوم القيامة » رواه الإمام أحمد في مسنده.
وهذا يرشح الأصل المتقدم للفضيلة: (القرار في البيوت) لأنّ تكثير النّسل غير مقصود لذاته،
ولكن المقصود -مع تكثيره- صلاحه واستقامته وتربيته وتنشئته،
ليكون صالحاً مصلحاً في أمته وقُرَّة عين لوالديه،
وذِكراً طيباً لهما بعد وفاتهما، وهذا لا يأتي من الخرّاجة الولاّجة،
المصروفة عن وظيفتها الحياتية في البيت،
وعلى والده الكسب والإنفاق لرعايته، وهذا من أسباب الفروق بين الرّجل والمرأة.
2 ـ حفظ العرض، وصيانة الفرج، وتحصيل الإحصان، والتحلي بفضيلة العَفاف عن الفَواحش والآثام.
وهذا المقصد يقتضي تحريم الزنى ووسائله من التبرج والاختلاط والنظر، ويقتضي الغيرة على المحارم من الانتِهاك،
وتوفير سياجات لمنع النفوذ إليها، ومن أهمها: ضرب الحِجاب على النّساء،
فانظر كيف انتظم هذان المَقصدان العمل على تَوفير أصول الفَضيلة -كما تقدم- .
3 ـ تحقيق مقاصد الزواج الأخرى: من وجود سكن تطمئن فيه الزوجة من الكدر والشقاء،
والزوج من عناء الكد والكسب: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف } [البقرة:228] .
فانظر كَيف تتمّ صلة ضَعف النّساء بقوة الرّجال، فيتكامل الجِنسان.
والزّواج من أسباب الغنى ودفع الفقر والفاقة، قال الله تعالى:
{ وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [النور:32].
والزّواج يرفع كل واحد منهما من عيشة البَطالة والفِتنة إلى مَعاش الجدّ والعفّة،
ويتم الاستمتاع بطريقه المشروع: الزّواج .
وبالزّواج يستكمل كل من الزّوجين خصائصه، وبخاصة استكمال الرّجل رجولته لمواجهة الحياة وتحمّل المسؤوليةّ.
وبالزّواج تنشأ علاقة بين الزّوجين مبنيّة على المودّة والرّحمة والعطف والتّعاون، قال الله تعالى:
{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الرّوم:21].
وبالزواج تمتد الحياة موصولة بالأسر الأخرى من القرابات والأصهار،
مما يكون له بالغ الأثر في التّناصر والتّرابط وتبادل المنافع.
إلى آخر ما هنالك من المصالح التي تكثر بكثرة الزّواج،
وتقل بقلته، وتفقد بفقده.
وبالوُقوف على مقاصد الزّواج، تعرف مضارّ الانصراف عنه؛ من انقراض النّسل،
وانطفاء مصَابيح الحياة، وخَراب الدّيار، وقبضِ العفّة والعَفاف، وسوء المُنقلب.
ومن أقوى العِلل للإعراض عن الزّواج: ضَعف التربية الدّينية في نفُوس النّاشئة،
فإنّ تقويتها بالإيمان يكسبها العفّة والتّصوّن، فيجمع المرء جُهده لإحصان نفسه :
{ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } [الطلاق:2].
ومن أقوى العلل للإعراض عن الزواج: تفشي أوبئة السفور والتبرج والاختلاط؛
لأنّ العفيف يخاف من زوجةٍ تستخفّ بالعَفاف والصيانة، والفاجر يجدُ سبيلاً محرّماً لقضاء وطره،
متقلباً في بيوت الدعارة -نعوذ بالله من سوء المنقلب-.
فواجبٌ لمكافحة الإعراض عن الزّواج: مُكافحة السّفور والتّبرّج والاختِلاطِ،
وبهذا يُعلم انتظام الزّواج لأصول الفَضيلة المُتقدّمة.
ـــــــــــــــــ
انتَهى.
واللهُ تَعالى؛ أعلى وأعلمُ.

المَصدَرُ/ لا إله؛ إلاّ اللهَ.
نَفعَسُبحانهُ؛ بماجاءَ.
غُفرانك؛ ربّنا.
ربِّ؛ ألهِمني رُشدين وأعِذني من شرّ نَفسي.