بِسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلام عليكُم ورحمة الله تعالى وبركاته
إخوتي في الله،
ها هُنا؛
- هُديتُمُ الخير أبداً -
مَقالٌ؛ لكلّ خَيرٍ - بمنّهِ - دالٌ.
النُّبوغُ؛ الخُلُقيّ!
مَقالٌ جِدّ قيّمٌ؛
الله الله - أي أخيّ -؛
اجعَل بَعضاً مِن دَقائقِ زمانِكَ لتَقرأهُ.
“النابغة لا يحتمل ، إذا لم يُضف إلى خصاله اثنتين على الأقل :
الشكران و النقاوة ” نيتشه.
تميز الجنس البشري عن سائر المخلوقات بما حُبيَ من الله بعقلٍ ،
يُميز فيه بين الخطأ و الصواب و الضار و النافع ، و يستعمله في عمارة ذاته و حياته ،
و كذلك في بناء مجتمعه و أمته ، و هذا العقل درجات متفاوتة لدى الجنس البشري ،
فليس سواءً ،
ففيها من التمايز الكبير ، مما يدع الشخصَ مُنطلقاً في الزيادة العقلية ،
ويدع الآخر منفرطاً في النقصان ،
فالأول يُمدحُ و الأخرُ يُذم ، و كلاهما وجهان متجاوزان الحدَّ للشيءِ الوسط ،
و لكنَّ الاعتبار في تقييمهما في نتائجهما و آثارهما .
لا كلام عن النوع الثاني ، فليس محلَّ اهتمام النوعين ( الوسط ، و المتجاوز للزيادة ) ،
و لا كلام عن النوع الوسط أيضاً ، لأنه ليس متميزاً في ذاته بل هو على طبيعته ،
و إنما الكلام عن النوع المنطلق في الزيادة ،
حيثُ يُرى هذا النوع من العقلاء أنهم يمتازون بشيءٍ ليس موجوداً في غيرهم ، و في حقيقة الحال هم كذلك ،
لكن من ناحية أنهم أبدوا و أظهروا تلك الزيادة ، في حين أن غيرهم كتمها و لم يُبدها ،
و ما لم يُبْدَ كما لم يُوْجد .هذا النوع المتميز بالزيادة في عقله ،
هو النوع العبقري ، أو الذكي ، أو النابغ ،
و هو ظاهرة إيجابية كبيرة في الجنس البشري ،
لأن به يظهر ميزان العقل الوسط و العقل النازل السلبي ،
و من ثم كان محلَّ اهتمام الدارسين في كثير من الأحوال ، و في عدة جهات ،
منها الجهة الأخلاقية و السلوكية ، فالعاقل النابغ الممتازُ عن غيره بزيادة الذكاء
و العبقرية ينبغي أن تكون سلوكياتُه سائرة مع تلك الصفة فيه ،
فبقدر القوة العقلية ينبغي أن تكون القوة الأخلاقية ،
لكن حين نُمعن الكثير من النظر في أحوال أولئك نجد أنهم سلكوا مسالك شتى ،
فما بين نابغ ارتقى به ذكاؤه فصانه عن السفاسف ،
و ما بين آخرَ هوى به ذكاؤه حتى أوردَه السَّقْطَة التي لا قيام بعدها .
قد أدي تقبل الناس النابغة ، و يُفتنون به ، و يتبعونه أينما حلَّ و ارتحل ،
لأنهم سيقفون منه على جديد يُنوِّرُ عقولهم ، و يُكسبهم المزيد من أبعاد و أعماق نظرته للحياة ،
و لكن هذا لن يشفع أبدا له عندهم حين لا يكون مرتقياً السلوك الحسن ،
و الخُلُقَ الحميد ، بل سيجعلهم في نُفْرة منه ،
و في منأىً عنه ، و في مُنصرفِ ( القَ ـلب ) عن مودته ، و تلك مكمن خسارته ،
لأنه سيكتسب صوراً لأتباع ، و لكن يكتسب قلوباً و لا عقولاً ،
ففي حال غيابه تغيبُ مودته معه في ( قُ ـولبهم )، فلا يرقبونه و لا يأملونه .
أما إن كان على ارتقاء في أخلاقه ، و اكتمال في سلوكه فإنه سيكسب في إطاره الكثير من الناس ،
و سيتناقل العالَم خبره جيلا بعد جيل ، لأنه أبقى معانيه بعد أن فَنِيَتْ مبانيه .
نوابغ الرجال عبر تاريخ البشرية كلها ، كانت على هذه السُّنة من السلوك ،
و يُعنى بهم هنا : الباقون سيرةً و خبراً ،
فلا نظرَ في تخليدهم إلى شيءٍ سوى معانيهم الباقية ، و الأخلاقُ أسمى المعاني ،
فلا بقاء لمن صحَّ دينه و قد ساءَ خُلُقه ، و لا لمن علا نسبُه و سفُل أدبه ،
بل كانت الخالديةُ الذِّكْرِيَّة لأولئك الذين لما ارتقوا بنبوغهم العقلي،
ارتقوا كذلك بنبوغهم السلوكي و الأخلاقي .
عودةُ النظر أخرى في حال أولئك النابغين ،
الخالدين ، نجد أنهم لا يمكنهم أن يرتقوا سُلَّم المعرفة إلا على أكتافِ آخرين ،
و لا يمكنهم أن يصلوا إلى منزلة إلا بدلالة غيرهم ،
و لو قلَّ عنهم ، و هنا تكمنُ حقيقةُ نبوغهم الأخلاقي و السلوكي ،
فهم سيمنحون أولئك شكراً و ثناءً و حمداً ،
فمن لا يعرف للشكر لغةً لا يجدُ في النعمة بُلغةً ،
فتراهم يلهجون شاكرين لمن كان عوناً لهم ،
بدءاً من الرب الأعظم جلَّ ، إلى آخرِ من أرشدهم بإشارته ،
و يصل الحال بأحدهم أن يستدلَّ بجماد على شيءٍ ؛
فينتزوع في ( قَ ـلبه ) منزع الشكر له ،
فلا يجد إلا أن يتوجه إلى الله شاكراً له أن دلَّه على شيءٍ بشيءٍ لا يُؤْبَه به ،
و الكاملون يرون في كلِّ شيءٍ كمالاً .
قلَّما تجد خصلة الشكر عند من يرى نفسه شيئاً عن غيره من جنسه ،
لأنه غارقٌ في بحرٍ لُجِّيٍ من الكِبر و الغطرسة ، فيرى أنه أرفعَ من غيره ،
فلا حاجة أن يشكر من قلَّ عنه ، و لا يرأف الله بمثل هذا ،
فقانون الحياةِ أن من حقَّر شيئاً حُقِّرَ يوماً ، ” لكل بطَّاح من الناسٍ يومٌ بَطوح ” ،
و حين يصل النابغةُ إلى هذا القدر أن يُعرض بخده عن شكرِ من صنعَ منه شيئاً،
و لو لحظة فإنه ينادي على نفسه بتبديد و ضياع .
آخرُ من الأشياءِ في النابغين ، كثُرَ من نفاها عن نفسه ،
و لا تجدها إلا عند قلةٍ ، و الكرام قليل ، صفاءُ الروح ،
و نقاءُ النفس ، و تلك تعني سلامة القلبِ من حقدٍ و حسدٍ ، لا يخلو جسد من سوء ،
و لكن الكاملين يدفنونه بمفاخر أخلاقهم السامية ،
و الناقصين يحسبونه ميزةً فيُفاخرون بالردى ،
و كلٌّ على ما تكوَّن عليه .
لا يصل النابغة إلى حد النقاء و الصفاء التام في حالاته ،
( القَ ـلبيّة ) و النفسية و الروحية ، إلا حين يؤمن بأنه ليس إلا أثراً من آثار العناية الكبرى ،
و التي ميزته بهذا النبوغ ،
و أنه ما كان ليكون كذلك إلا ليمنح الوجود أثراً بما يُقذف في عقله من بديع المعارف ،
و حين يصل إلى ذلك فإنه سيكون إلى نقاءِ في طريقٍ واضح أبينَ ،
لا ينغلق أمامه إلا حين يرى أنه شيءٌ بذاته ،
فعندها يُسلب ما لم يكن في حسبانه أن يُسلَبَه يوما .
حين يتخلَّى النابغة عن نبوغه الأخلاقي و السلوكي ،
فإنه يُغلق على نفسه باب الزيادة من ذاك النبوغ ،
فليس النبوغ إلا شيئاً متى ما وُهِبَ و عُومل بأدبِه أعطى و منح الأكثر ،
و من دقائق منحه الأكثر جلبُ الأتباع المخلدين ،
أنعتقد بأن من خُلِّد من النابغين إنما خُلدوا بأنفسهم ؟ ، لا ،
و إنما خُلدوا بالأتباع الذين لزموهم ،
و ما لزمهم الأتباع إلا لكونهم نابغين سلوكياً و خُلقياً .
لا يتجردُ عن النبوغ السلوكي و الأخلاقي أحد نبغ فكرياً ،
إلا لاعتراء النقصِ في شيءٍ من حاله ، ذاك النقصُ كامنٌ في تَيْنك الخصلتين اللتين ذُكرتا ،
إهمال الشكر و العرفان ، و تغييب الصفاء و النقاء ،
و عند غيابهما تسقط مهما كل قيمة للنابغة ، مهما كانت أثار نبوغه .

انتَهى.
واللهُ تعالى؛ أعلى وأعلمُ.
:
ذاك النقصُ كامنٌ في تَيْنك الخِصلتين اللتين ذُكرتا ،
إهمال الشّكر و العرفان ، و تغييب الصّفاء و النّقاء ،
و عند غيابهما تسقط مهما كل قيمة للنّابغة ، مهما كانت أثارُ نبوغه .
:
لفَضيلَةِ الشّيخِ/عَبدالله بِن سُلَيمان العُتيّقَ؛
يحَفظهُ اللهُ تَعالى ويَنفعُ بهِ، وسائرِ إخوَتي.
المَصدَرُ/ لا إله؛ إلاّ اللهَ.
نَفعَ الرّحمنُ؛ بما جاءَ.
غُفرانك؛ ربّنا.
ربّ؛ نَسألُكَ همّةً للخَيرِ والدّعوةٍ إليه، والثّباتَ عَليهِ.