السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن التقيّ الحق لا يتعصب

سلمان بن محمد العنزي
التعصّب من أكبر أدواء المجتمعات؛ لأنه يأتي على العقول فيقيّدها، وعلى الأنفس فيخبثها، وعلى الأقوال فيشدّدها، وعلى الأعمال فيفسدها، ولا يدع الحياة حتى يقلبها ويثير دفينها ويفتت شوابك العلاقات فيها، والغرب يلمز الإسلام بالتعصّب المولد للكراهة والعنف بسبب أفعال جرت على يد بعض أبنائه، وأهل الإسلام اليوم يرمون دينهم بالتعصّب عندما يرمون أناساً لا عيب فيهم إلاّ تمسكهم بدينهم وأوامر شرعهم، دون أن يتنازلوا عن الصغير مما يعدّه الناس حقيراً لا يأبهون به، وهذه سذاجة في التفكير ورعونة في الحكم تدعمها أهواء لا تسكن، ورغائب لا تنتهي.
إن ديننا الإسلامي هو دين التسامح في تشريعه وعقيدته وأخلاقه وتعاملاته، ويوم كانت هناك نفوس تتحمل هذا الدين بكل تبعاته، وتتفهم ما جاء في كتابه لم يشك أحد من رهاب التعصب ولا حمل السيف على دماء المسلمين، ولا ناصب المخالفين العداء المهين لكرامة الإنسانية، بل قبل الناس كما هم، ورضي من المسلم إسلامه، ولم يغمط حق الذميّ أو المعاهد أو المستأمن ما احترموا الدين، والتزموا بقواعد الأخلاق..فإن وجد من تهملع به نفسه لتسلك به أودية البغي والظلم لم يعدم رجالاً أوقفوا أنفسهم في سبيل الله يردّونه عن بغيه أو يكفون المسلمين شره..!
وكتاب الغرب العقلاء شهدوا بذلك شهادة أذلّت الباغين وأصحاب الأهواء، وسدت عليهم بعض طرق المكر والخداع والتشويه، ومن ذلك ما كتبه مارسيل بوازار عن (إنسانية الإسلام).
إن التعصب نتاج الجهل والإسلام جاء بالعلم، وحارب الخرافات وهدم القبليات وقمع رجالها، وأوضح رديء صفاتها، ونشر راية الحرية في سماء لا قتَر فيها. فقد بين الله عز وجل في كتابه صفات المنافقين، وجعل منها القتال في العصبية فقال: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً* وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً* وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً). قال الضحاك: ثم سُئلوا القتال في العصبية لأسرعوا إليه. وعالمنا اليوم يعجّ بمثل هذه التصورات الخاطئة والعصبية المقيتة التي تنصر وتقاتل لمجرد الانتماء إلى القبيلة أو الوطن، وقد استغل كثير من التجار هذه الحاسّة البدائية عند الناس، فصنعوا برامج تغذي هذه النار المقدسة، وتمدها بوقودها لتجني من المغفلين والسذج أموالاً طائلة وشهرة باذخة، متناسين أن الريال الذي يُؤخذ ظلماً وعدواناً ومخالفة للشرع الكريم يتحول إلى آلة حفر ضخمة تدك أساس المجتمع، وتهدم بنيان الدين، وتقوّض سور الدولة لتطل الفتنة برأسها حاصدة الأرواح وقاهرة الإنسانية.
والتعصب تنتجه النفس المتكبرة التي تعتقد الخير فيها وتنزعه من الناس، والإسلام جاء بالتواضع الواعي وحطّم خنزوانة التكبر، وصرّح بحقيقة الإنسان، وأنه لا يعدو أن يكون تراباً سيأتي من يكنسه في يوم من أيام الحياة، وأن العبرة بما تحويه النفس من معانٍ سامية وصفات راقية تعطف على الناس، وتمد يد الخير إليهم.
والتعصب يولد في الظلام في نفوس أناس تحبّ الانطواء والبعد عن الآخرين بحجة فساد الناس وتهتك المجتمعات وظلام الغرب، والإسلام جاء بالانفتاح على الناس ونشر الخير في البشرية كلها دون استثناء، ويوم يعجز المسلم يتهم نفسه، ويظن أن العجز ولد في قلبه بسب نصب استوجبته التكاليف أو بسبب طمع مالت إليه النفس، فلا يزال يعالج نفسه ويلين لعباد الله حتى ينتزعهم من وهدتهم:
أيُّها العاكفُ المسبحُ سبّحْ في عراكِ الحياةِ في الآفاقِ
مثلما كبر الأوائلُ مـنا ووميضُ السيوفِ في الأعناقِ
والتعصب يأتي ممن يزعم أنه وُلد مختلفاً عن غيره في قبيلته، أو في جنسيته، أو في دينه، وإنما النعمة والفضل لله عز وجل، وحسْب الإنسان ضؤولة منبته، وحقارة أصله.
ثم إن الناس متساوون من حيث الصلب الأول الذي أنتج البشرية كلها، صلب أبينا آدم، ثم هم متساوون أيضاً في مبدأ الفطرة الواحد، وما زاد على ذلك ففضل من الله يستوجب الانكسار والتواضع..
والتعصب يأتي من فقدان العدل والمساواة وضياع الحقوق وامتياز طبقات على أخرى.. والإسلام جاء بالعدل الكامل في كل شأن من شؤون الحياة، ولا فضل لإنسان على آخر إلاّ بالتقوى، وما أجمل ما قاله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لعمرو بن العاص يوم ضرب ولده رأس السوادي بالسوط، فاشتكى لعمر رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً... ثم أمر بأن يقتص الرجل من ابن عمرو، وأن يثني على صلعة عمرو، لأنه إنما تعصب ابنه وضرب الرجل بسلطان أبيه، وهي قصة مشهورة في كتب التاريخ وإن ضعفها بعض المتأخرين، وقصص العدل والمساواة الإسلامية في التاريخ تملأ المجلدات الضخام.
والتعصب يقوم على الأحكام الجزافية المتسرعة في تعميم بغيض يكشف عن الأنفس المضطربة والعقول المختلة، والإسلام جاء بالتثبت والحرص على الدقة في الحكم حتى لا تُظلم نفس أو يُهان إنسان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).
فأنّى يكون دين الإسلام هو دين التعصب، وأنى يكون المتدين الذي يسمع قوارع الآيات البينات متعصباً، إنما يفعل ذلك من تسرب الظلام إلى قلبه، وتمكنت منه بعض جذور الجاهلية المتنامية في الخفاء:
بين التعصّبِ و التديّنِ فجـوةٌ لا تنتهي و حواجزٌ لا تغلبُ
هذا هو الغيثُ الذي يحيي ولا يؤذي وذاك هو السحابُ الخلّبُ
الدينُ نورٌ و التعصّبُ ظلـمةٌ أيخافُ نورَ الشمسِ إلاّ المذنبُ
مَنْ كان يملي بالهراوة رأيَه لم يلقَ في جلسائه من يكتبُ
يا صاحِ لا تصلِ الضلالةَ بالهدى إن التقيَّ الحقَّ لا يتعصــبُ