بسم الله الرّحمن الرّحيم
السّلامُ عَليكمُ ورَحمةُ اللهِ تَعالى وبَرَكاتهُ
إخوتي في الله؛
فَتوى نافِعَةٌ؛
عسى ننتفعنّ بها.
:
هل يخرجُ أحدٌ من الجنّة ، أو من النّار ، بعدَ دُخولها ؟
وما أجرُ الأعمال الخيريّة للكُفّار ؟!

Click this bar to view the full image.
السّؤالُ:
... ***** ...
مع وافر الاحترام للمجيب على السّؤال رقم ( 21365 ) ،
عن الآيتين رقم ( 106 ، 107 ) من سورة " هود " ،
ذكرتم أن أهل النار مخلدون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها ,
بينما قرأت في " صحيحُ البُخاريّ " ( كتاب 2 ، 12 , 72 )،
أن بعض أهل النّار يمنُّ الله عليهم ويدخلهم الجنّة لما في قلبهم من الإيمان به , فأيهما أصح ؟
وإذا كان كلاهما صحيحاً فكيف الجمع بينهما ؟ .
وعلى هذا : فهل تدل الآيات الواردة في سورة " هود "؛
على أنه يمكث بعض الذين قاموا بأعمال حسنة فترة مماثلة في الجنّة ،
ولكن في النهاية يدخلون النّار ؟ .
وإن لم يكن كذلك :
فكيف يكافأ هؤلاء الكفار الذين أفنوا أعمارهم في خدمة البشرية ،
ثم ماتوا في بلاد الكفر , مثل " الأم تريزا " ؟ .
:
الجوابُ :
... ***** ...
الحمد لله
أولاً:
نشكر للأخ السائل متابعته لما ننشره من إجابات في موقعنا ،
ونشكر له إعمال نظره فيها ، وما سأل عنه مما ظاهره التعارض يدل على حبِّه للفائدة ، وسعيه للانتفاع بما يقرأ ، إن شاء الله .
ثانياً:
لا معارضة بين ما ورد في جواب السؤال المشار إليه ،
وبين الأحاديث المشار إليها في السؤال ، وبيان ذلك :
أن أهل النَّار قسمان :
القسم الأول : موحِّدون خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، وأدخلهم الله تعالى النار بذنوبهم ، وشاء لهم أن يعذَّبوا فيها .
وهذا القسم عذابهم في النار إلى أمد ، والله تعالى هو الذي يقدِّر ذلك الأمد ، ثم يخرجهم من النار ، ويكتب لهم الخلود في الجنَّة بعدها .
وهذا القسم هم المقصودون في الأحاديث التي الواردة في السؤال ، والتي فيها بيان خروج من في النار ،
لأجل ما عندهم من التوحيد ، وهم أصحاب النار من المسلمين .
القسم الثاني : كفار ، ومنافقون ، ليس عندهم توحيد ،
وقد ماتوا على الكفر والشرك والإلحاد والنفاق .
وهذا القسم عذابهم إلى الأبد ، وقد توعدهم ربهم بالخلود في النار إن هم لم يأتوا بما أمرهم الله تعالى به من توحيده وإخلاص الدين له ، فاختاروا لأنفسهم الكفر واختاروا الخلود الدائم في النار.
وهذا القسم هم المقصودون في آيات سورة هود التي ذكرناها
في الجواب الذي ذكرته في أول سؤالك .
ثالثاً:
بما ذكرناه سابقاً تعلم أن دخول النار ليس لطائفة واحدة ،
بل لطائفتين ، تخرج واحدة منها ،
وهم الموحدون الذي فعلوا من المعاصي ما استحقوا به النار ،
ولا تخرج الأخرى ، وهم الذين جاءوا بالكفر وماتوا عليه .
وأما الجنَّة : فلا تدخلها إلا طائفة واحدة ، وهم الموحدون ،
وإذا دخل العبد : لم يخرج منها أبدا ، بل ينعم بما فيها ، لا يشقى ويبأس ، ولا يموت ، ولا يمرض ، ولا يهرم ، ولا يحرم من ذلك النعيم ، بعد ما ذاقه .
فإذا فهمت أن هاهنا قسمين من أقسام العباد ،
أهل الإيمان وأهل الكفر ، أهل السعادة وأهل الشقاوة ،
أمكنك أن تفهم ما جاء في كتاب الله تعالى من الحكم بعدم الخروج من النار ،
وأن المقصود بذلك هم الكفار المخلدون في جهنم ، كما في قوله تعالى:
( كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِين مِنَ النَّارِ )
البقرة / 167 ، وكما في قوله تعالى:
( يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) المائدة/ 37 .
وأما أهل السعادة وأهل الإيمان: فقد حكم الله تعالى بعدم خروجهم من الجنة ، كما في قوله تعالى :
( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ
لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) الحجر/ 48 .
وينظر – لمزيد فائدة - أجوبة الأسئلة :
( 31174 ) و ( 26792 ) و ( 45804 ) .
رابعاً:
إذا تبيَّن ذلك ، فينبغي أن يعلم أن الكافر إن جاء بما يستحق عليه الثواب ، فإنه يُجازى به في الدنيا لا في الآخرة ،
فالكفر الذي جاء به مانع من قبول عمله لينتفع به في الآخرة ؛
لأن من شروط قبول العمل الإسلام .
قال الطّبريّ – رحمه الله - :
مَن عمل عملا صالحًا في غير تقوى - يعني :
من أهل الشرك - أُعطي على ذلك أجراً في الدنيا : يصل رحمًا ،
يعطي سائلا يرحم مضطرًّا ، في نحو هذا من أعمال البرّ ،
يعجل الله له ثواب عمله في الدنيا ، ويُوسِّع عليه في المعيشة والرزق ، ويقرُّ عينه فيما خَوَّله ، ويدفع عنه من مكاره الدنيا ، في نحو هذا ،
وليس له في الآخرة من نصيب .
" تفسير الطبريّ " ( 15 / 265 ) .
وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :
وقال القاضي عياض :
انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ، ولا يثابون عليها بنعيم ، ولا تخفيف عذاب ، وإن كان بعضهم أشد عذاباً من بعض .
" الفتح " ( 9 / 48 ) .
واعلم أن الله تعالى لا يضيع عليهم أجور أعمالهم النافعة للناس ، لكنَّ ثوابها يكون في دنياهم لا في أخراهم ،
وأما المؤمن فإن ثواب أعماله الخيِّرة يكون في الدنيا والآخرة .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :
قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنْ الدُّنْيَا ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ ) .
رواه مسلم ( 2808 ) .
وفي رواية أخرى :
( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً ، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا ،
وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا ،
حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا ) .
واعلم أن هذا الجزاء في الدنيا ليس مقطوعاً به ، بل هو إلى مشيئة الله تعالى ، قال عزَّ وجل :
( مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ) الإسراء/ 18 .
قال الشّنقيطيّ - رحمه الله - :
واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا : كبر الوالدين ، وصلة الرحم ،
وإكرام الضيف والجار ، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك :
كله مقيد بمشيئة الله تعالى ، كما نص على ذلك بقوله :
( مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ) الإسراء/18 الآية .
فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث ، وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق ،
ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا .
" أضواء البيان " ( 3 / 450 ) .
وما ذكرناه عن إثابة الله تعالى لمن شاء من الكفار لا ينطبق على " تريزا " - واسمها الأصلي آغنيس غونكزا بوجاكسيو ،
وأصلها من " مقدونيا " ، وقد توفيت سنة 1997 م – وذلك أنها كانت " راهبة منصِّرة " تستثمر عملها في إعانة الفقراء والمشردين والمرضى في تنصيرهم وإدخالهم في دينها ،
ومثل هذه لا يسمَّى عملها " حسنة " ،
وما تطعمه في الدنيا فليس هو جزاء أعمالها ،
بل هو ما تكفل الله به ، وسيعاقب عليه من كان به كافراً كما قال تعالى :
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) البقرة/ 126 .
فتحصل أن أعمال الكفار في الدنيا على قسمين :
الأوّلُ : ما كان من أعمال الدنيا من أعمال البِرّ ،
ولا يشترط فيه نية التقرب ، كصلة الرحم وإكرام الضيف وما يشبهه ، فهذا هو المقصود في الحديث،
والذي من أجله يثاب الكافر عليه في الدنيا إن شاء الله له المثوبة .
قال النّوويّ – رحمه الله - :
وصرَّح في هذا الحديث بأن يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات أي : بما فعله متقرباً به إلى الله تعالى مما لا يفتقر صحته إلى النية ، كصلة الرحم ، والصدقة ، والعتق ، والضيافة ، وتسهيل الخيرات ، ونحوها .
" شرح مسلم " ( 17 / 150 ) .
الثاني : من كان من أعمال الدنيا ، ويَقصد به صاحبه نشر دينه ، وفتنة المسلمين عن دينهم ، فهذا ليس داخلاً في الحديث ، بل صاحبه متوعد عليه أشد الوعيد ؛ لأنه يصد بها عن دين الله ، ويستغل حاجات الناس وفقرهم ومرضهم لذلك الغرض الخبيث ،
ومنه ما تفعله " تريزا " وأمثالها من المنصرين ودعاة الباطل .
وأما ما كان من أعمال الدين وتشترط فيه نية التقرب ،
كالحج والعمرة والدعاء ، فهذا لا يؤجر عليه الكافر في الدنيا ولا في الآخرة ؛
لكونه باطلاً ، لتخلف شروط قبوله وهي :
الإسلام والإخلاص والمتابعة ، ثم إن الكفر يحبط الأعمال،
فلا يستفيد منها صاحبها يوم القيامة شيئاً .
والله أعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهتِ الفَتوى.
والله تعالى أعلى وأعلم.
المَصدَرُ/ لا إله إلاّ اللهَ.
نَفعَ الرّحمنُ؛ بِما جاءَ.
غُفرانك؛ ربّنا.
ربِّ؛ ألهِمني رُشدي، وأعـِذني من شرّ نَفسي.