الموت يأتي بغتةً
في غمرة التجهز للعيد وفرحته ، وبينما الناس منهمكون بالاستعدادات والأضاحي والملابس ، يدهمهم فجأة ومن غير سابق إنذار سيل يحصد الأرواح ، وفي هذا تذكير عظيم بيوم القيامة { بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}.
ما أصعب لحظات الوداع خصوصا حين يرى المرء الموت وهو يحاصره : فهذا شاب منطلق بسيارته وفجأةً دهمته السيول ، فأيقن أنه غارق لا محالة ، فصعد على سطح سيارته واتصل بأهله وأقربائه وأصدقائه وودعهم ثم جعل يتصل بأصحابه ومعارفه ليطلب منهم السماح ، حتى انقطع الاتصال، ليعتلي صوت أهله بالبكاء.
أسر وعوائل ذهبت بأكملها وأخرى ذهب بعضها أو لم يبق منها إلا واحد أو طفل صغير علق بشجرة.
لكل أجلٍ كتاب
رجل ودع زوجته وأطفاله وذهب إلى عمله ... ليعود بعد ساعتين فيجد كل شيء أثراً بعد عين، فأصبح وحيدا بلا زوجة ولا أطفال .. ففي لحظات قليلة جرفتهمالسيول الداهمة .
لا يغني حذر من قدر .
فالموت مدرك جميع البشر لا محالة ، ومهما هرب منه الإنسان فلا بد أن يأتيه ، وقد رأينا أناسا امتنعوا عن الذهاب للحج خوفاً من الأنفلونزا ، فإذا بالموت يأتيهم في بيوتهم {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
وآخرون توكلوا على الله وذهبوا للحج ، فكان سببا في سلامتهم .
وبنت أصرت قبلها بليلة على البقاء عند عمها في زيارة عائلية لتبقى نظرات الحزن ساهمة وهي تفكر في أسرتها التي ماتت كلها .
وهنا تذهب بعض أذهان الناس مذاهب عجيبة غريبة في طرائق التفكير واتخاذ القرار ، فهذا رب أسرة ربط أفراد أسرته بحبل واحد معا وقال : إما أن ننجو جميعا أو نهلك جميعا !!
الشهادة فضل من الله يؤتيه من يشاء
فالشهادة من أعلى مراتب أوليائه ، والشهداء يختارهم الله من بين عباده ، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها.
وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : (وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ ) وفي لفظ: (وَمَنْ غَرِقَ فَهُوَ شَهِيدٌ ) رواه مسلم (2829) .
إذا وقع القدر عمي البصر
فمع أن لهذه الكوارث الكونية أسباباً طبيعية، وأحيانا يكون بمقدور البشر التنبؤ بها قبل وقوعها عن طريق الحسابات الدقيقة .... إلا أن هذه الكارثة أثبتت قصور البشر سواء في التحليل وتوقع الأزمات، أو في الاستعدادات والاحتياطات أو في التصدي لها ومحاولات النجاة .
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
بهذه الكلمات يقابل المؤمن المصائب والكوارث والسيول , فإنها من أبلغ العلاج وأنفعه للعبد في عاجله وآجله , وذلك لتحقق الإنسان من أن نفسه وأهله وماله وولده ملك لله عز وجل، وقد جعلها الله عنده عارية, فإذا أخذها منه فلا اعتراض كما أن المعير لا يلام إذا أخذ عاريّته من المستعير.
وليعلم العبد أن مصيره ومرجعه إلى الله مولاه الحق, ولابد أن يُخلِّف الدنيا وراء ظهره, ويأتي ربه يوم القيامة فردا, بلا مال ولا أهل ولا عشيرة .
ثواب الله خير لك منهم , ورحمة الله خير لهم منك
قال شبيب بن شيبة رحمه الله للخليفة العباسي المهدي يوم وفاة ابنته ياقوتة ، قال له : " يا أمير المؤمنين أعطاك الله على ما رُزئت أجراً ، وأعقبك خيراً ، ولا أجهد بلاءك بنقمة ، ولا نزع منك نعمة , ثواب الله خير لك منها , ورحمة الله خير لها منك , أسأل الله ألا يحزنك ولا يفتنك".
فخف عن الخليفة مصابه .
لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ:
المصيبة تزيد في إيمان المؤمن ويقينه بأن الأمور بيد الله وحده لا شريك له, وأن الناجي منها إنما أنجاه الله تعالى بفضله ورحمته.
تذكر الآخرة : نفسي نفسي
مئات السيارات يجرفها السيل تتقلب فيه كقطع الفلين وركابها يرفعون أيديهم ويصيحون طالبين الغوث والنجدة ولكن كل شخص مشغول بنفسه.
لمن الملك اليوم
قل الله مالك الملك : خرج بعض الناس من السيل لا يملكون شيئا لا بيت ولا سيارة ولا أثاث ولا ملابس ولا بطاقة صراف ولا حتى إثباتات شخصية ، وبهذا يتذكر الإنسان كيف يأتي ربه يوم القيامة لا يملك شيئا : حفاة عراة بهما ليس معهم شيء
إحياء عبودية الخوف من آيات الله
وقد كان هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا من الآيات الكونية، قال أنس: ( كَانَتْ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ). رواه البخاري (1034)
فيقع منه هذا الخوف بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم وهو من غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكيف بحالنا نحن المذنبين المقصرين!! .
وقال تعالى : {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} ولا شك أن هذا السيل من آيات الله التي يخوف بها عباده
التأمل في كثرة نعم الله علينا
من الدروس المستفادة لمن رزقه الله تأملا وفهما إذا نظر إلى ما أصاب الناس أن ينطق بقلبه قبل لسانه : الحمد لله الذي عافاني ويستحضر تفضيل الله له.
فإذا نظر فيمن ذهبت أسرته استحضر نعمة الله عليه بحفظ أهله له .
وإذا شاهد صور تلف الأموال والممتلكات انتقل من هذه الصورة إلى معاينة نعمة الله عليه بحفظها له .
وإذا نظر إلى مصائب الآخرين الكثيرة هانت عليه مصائبه الصغيرة، فامتلأ قلبه بحمد الله، ولهج لسانه بشكره سبحانه، واستحيت جوارحه من أن تعصي هذا المنعم الكريم، أو أن تقصر في شيء من حقوقه سبحانه.
المؤمن يتألم لألم إخوانه
ينبغي لمن نظر في هذه المشاهد على أرض الواقع أو في الصور ومقاطع الفيديو أن يتحرك قلبه تجاه المصابين والمنكوبين ، وتدمع عينه ، ويلهج لسانه بالدعاء بالرحمة لمن مات ، والتثبيت والعوض لمن ابتلي، ويسعى لإعانة من يحتاج إلى العون ، ويسأل الله تعالى له ولإخوانه السلامة والعافية .
ابتلاءٌ للمؤمن وعقوبة للعاصي وتخويف للناس وتمحيص للناظرين والمتكلمين
إن الابتلاءات سنة ربانية اقتضتها حكمة الله سبحانه في هذه الدار، لتكون دارًا للامتحان في الشهوات والفقر والمرض والخوف والنقص في الأموال والأنفس والثمرات { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } [الأنبياء:35].
فما حدث ابتلاء ابتلى الله به عباده المؤمنين ليرفع درجاتهم ويقوي إيمانهم {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين}.
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
وفيما حدث تذكير لأهل المعاصي والذنوب بالتوبة والإنابة إلى الله {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}.
قال بعض السلف : " لا ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يكشف إلا بتوبة ".
فالواجب في مثل هذه الحال التوبة وكثرة الاستغفار وأخذ العظة والعبرة.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: " وإن من علامات قسوة القلوب وطمسها والعياذ بالله، أن يسمع الناس قوارع الأحداث، وزواجر العبر والعظات التي تخشع لها الجبال لو عقلت، ثم يستمرون على طغيانهم ومعاصيهم مغترين بإمهال الله لهم، عاكفين على اتباع شهواتهم، غير عابئين بوعيد، ولا منصاعين لتهديد ". فتاوى ابن باز (9/160)
فالواجب على جميع المسلمين أن يأخذوا العظة والعبرة مما حصل، وأن يتوبوا إلى الله وينيبوا إليه ويحذروا من أسباب غضبه ونقمته، والله جل وعلا يقول: { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ }.
فالمصائب منها تكفير ، ومنها تذكير ، ومنها عقوبة .
وقد تجتمع هذه الثلاث في مصيبة واحدة فتكون لبعض الناس تكفيرا لذنوبهم ورفعة لدرجاتهم وتكون لآخرين غافلين تنبيها وتذكيرا، ولنوع ثالث عقوبة على معصية مستعلنة أو خفية وقعوا فيها وتكون تمحيصا وكشفا لحال من يتكلم في هذه الأحداث
سؤال الله حسن الخاتمة .
فقد نقلت الأخبار قصصا لأناس قبض الله أرواحهم في مساجد أو بعد خروجهم منها وقد جاء السيل وقت صلاة الظهر وبعضهم صائمون لله تعالى، يتقربون إليه في أيام العشر الفاضلة، فجمع الله لهم من المبشرات: الغرق الذي هو شهادة ، والموت على عبادة، وبعد أداء فريضة، فما أعظم ما حصّلوه،
اللهم فارزقنا حسن الخاتمة .
الناس معادن